أَطِلِ الوقوفَ هناك باسْتعبارِ
وسلِ النوى واسألْ عن الأسفارِ
وسل الرياحَ المدْبراتِ عن النوى
في أي أرضٍ عَرَّسوا أو دار
سلبوك ظاعنةً هناك وأجَّجوا
يوم الرحيل النارَ في أغواري
أمذكِّري يومَ الفراق وطيفها
لبس الغمامَ ولاح كالأنوار
عانقتُه والليلُ ملتبس الدجى
ونأى الكرى والطيفُ في الأسحار
كانت رؤىً نَعِمَ الفؤادُ بوصْلها
شفَّتْ بطيفٍ كالنسيم الساري
يا ساحرَ الأجفان مالكَ مهجتي
رفقاً بصبٍّ مدنفٍ منهار
لما رنا طرفٌ لديك أصابني
ورمى بسهمٍ في الحشا مَوّار
يومٌ به غلبتْ عليَّ صبابتي
وسكبت فيه الدمعَ كالأمطار
يا للغواني حين يصرَعْنَ الفتى
بالطرف لا بالفاتك البتّار
أنا من رؤاك نبذتُ كلَّ مهنَّدٍ
يومَ اللقاء وأدمعي مضماري
فجَّرتُ بركانَ الهوى فتفجَّرتْ
بين الضلوع سوانحٌ من ناري
لما رماني الثغرُ من ظلم الهوى
تاه الحِجا وتمزَّقتْ أستاري
فكشفتُ عن قلبٍ تمزّقَ بالأسى
وبه أعيش كتائهٍ مُحتار
يا أختَ طيفٍ في المنام رأيته
هيا اذهبي لتودِّعي أفكاري
أنا لستُ في شوقٍ إلى بيضِ المها
ما كان مثلي عاشقَ الأقمار
أحييتُ في هذا النسيبِ شعيرةً
كانت فواتحَ رائع الأشعار
أبقى عليها المسلمون بشعرهِمْ
هي في القريض كروضة الأزهار
في حقبةٍ جادت بكل مُسَوَّدٍ
من حيدريٍّ في الوغى سَوّار
كانوا نجومَ الدهر في أزمانهم
وكواكبَ الإشراق في الأمصار
هم قاهرو الإظلامِ فرسانُ الحمى
أُسْد العرين الصِّيدُ في المقدار
بادوا وباد الدهر في إدبارهم
وديارُهم بادت مع الإدبار
درستْ حصونك يا هُنَيدُ ولم تعد
ذاتُ القلاع منيعةَ الأسوار
وطوى الزمانُ بكفَّتيه فوارساً
وأتى بخَلْفٍ خائفٍ خَوّار
يتجمّعون بِعيدِ مولده الذي
هو خير يومٍ مشرقٍ ونهار
يتجمعون وفي الفؤاد قطيعةٌ
وبكل قلبٍ جذوةٌ من نار
ما ذاك يجدر بالوليد ويومه
أهلَ النُّهى يا صحبةَ المختار
إنْ تذكروه فبالتَّأَسّي بادروا
ودعوا الخلافَ وفُرقةَ الأفكار
يومٌ أطلّ بنور أحمدَ بيننا
يمحو الظلامَ بهالة الأنوار
هو عيد يوم الدهر في أطوارِه
وهو الكمال براشد الأعمار
يومٌ يجلُّ وما علمتُ مثيلَه
يومًا تناهى باهرَ الأقدار
رقصتْ نِجادُ الكونِ في عليائها
وبه الوِهادُ عَزفْنَ بالأوتار
والروضُ فاح بعابقٍ من طيبه
شوقاً لطيب محمدِ المعطار
أمذكِّري والفجرُ يسري نوره
يمحو الدجى بالنُّور والأنوار
أشبهتُ ذاك بيوم مولدك الذي
غنَّتْ به الأطيارُ في الأوكار
يا يومَ آمنةَ الوضيءِ جبينُها
أرأيتَ مثلَ وليدها في الدار
لا والذي خلق الشمائلَ كلَّها
جاء الحبيبُ وخُصَّ بالإكبار
يومٌ به حرَّرْتَ كلَّ رقابنا
أنصفتَ فيه الِقنَّ من أحرار
ما طاف فوق الأرض مثل محمدٍ
في بعثه أو قبلها بالغار
كان الورى قبل الرسالة معشراً
عطشى لكل رذيلةٍ وبوار
بعقيدةٍ شوهاءَ تُوري بينهم
نارَ الوغى وضغينةَ الأشرار
لما أتيتَ بنور ربِّك بينهم
نبذوا الهوى من غاسق الأغوار
علَّمْتَهم في الأرقميَّة شِرعةً
تجلو الدجى كالنور والأقمار
جلسوا إليك يتابعون هدايةً
من وحيِ ربكَ باهرِ الأسرار