كنتُ القُربَ حينَ ظننْتِني تَغَيُّبَا
والصمتُ منّي كانَ أصدقَ مَذهَبَا
ما كنتُ بعدًا، غيرَ أني خِفتُ أنْ
تُؤذيكِ كَلِمَةٌ إذا جِئتُ اقتِرابَا
فآثرتُ أن أبقى بقلبٍ ساهرٍ
أحمي قلقكِ، لا أُثيرُ لهُ لَهَبَا
إن قال صوتُ الخوفِ: أينَ وجودُها؟
كنتُ الوجودَ وإن بدا مُحتَجِبَا
كم مرةٍ أمسكتُ قلقي صامتًا
كي لا أزيدَ على قلقكِ تَعَبَا
لا كلُّ صمتٍ خذلانٌ يا مهجتي
بعضُ السكوتِ محبةٌ مُستَتِرَا
أنا لم أُجِد لغةَ الطمأنينةِ حين
تثورُ، فاخترتُ الأمانَ مُهذَّبَا
إن كان ذنبي أنني أحببتُك
حبًّا يُراعي أن يكونَ مُرهِبَا
فاعلمي: ما كنتُ يومًا غائبةً
لكنني خِفتُ السقوطَ فأحجِبَا
واليوم أكتبُ لا لأدفعَ تُهمةً
بل كي أقولَ: حضوري كانَ قلبَا
فإن أردتِ القُربَ قولي ما تشائين
ما كنتُ يومًا عن حضوركِ غائبةْ
لكنّني اخترتُ السكونَ مرافقهْ
أصغي لرجفتكِ الخفيّةِ صامته
وألمُّ خوفكِ حين يعجزُ ناطقهْ
إنّي إذا ضاقَ الفؤادُ سكينةٌ
لا أُكثرُ القولَ الذي قد يُرهقهْ
أخشى الحروفَ إذا خرجتْ مسرعةً
أن تُثقِلَ القلبَ الكسيرَ وتُحرِقهْ
ظننتُ أن الصمتَ صدرٌ واسعٌ
وأنّ قربي دون ضجّةٍ يَكفِيهْ
لم أدّعِ الكمالَ يومًا، غير أنّي
ما كنتُ باردةً، ولا يومًا لبسته
آلمني قولُكِ حين قلتِ بأنّني
“لا فائدةَ تُرجى” ولا معنى لقربي
كأنّ كلّ الودِّ صارَ لحظةً
نُسيتْ، وكأنّي ما حملتُكِ في قلبي
ما كان بعدي جفاءً أو قسوةً
بل كان خوفي أن أزيدكِ انكسارًا
كنتُ أظنّ الحبَّ أحيانًا أمانًا
لا يَكثرُ القولَ بل يبقى جوارًا
لي روحًا لا تسمحُ أن أُدانَ بنيّتي
ولي قلبٌ إن أخطأ الطريقَ مرّةً
ما خانَ يومًا صدقَهُ ومحبّتي
إن كنتِ تحتاجين صوتًا مطمئنًا
يُكثرُ التفسيرَ، يُمسكُ كفّكِ
فقولي، ولا تجعلي صمتي ذنبًا
ولا تُلبسي حضوري ما ليسَ فيهِ
أنا هنا، كما أنا، أحبُّ بهدوءٍ
فإن آلمكِ صمتي، فقد آلمني قولكِ
وما بين وجعين … يقفُ الحبُّ في المقام
يا من إذا ضاقَ المساءُ تكسَّرَت
في الصدرِ أسئلةٌ، وضاعَ يقيني
إنّي حضرتُ وإن بدا صمتي جفاءً
فالصمتُ أحيانًا أشدُّ حنينِ
ما كنتُ يومًا عن شعوركِ غافلة
ولا استرحتُ وقلقُكِ متكئُ
لكنني خفتُ الكلامَ لأنني
أخشى جراحَ الحرفِ حينَ يُقالُ فيضيعُ الدواءُ ويُخطئُ
ظننتُ أن القربَ أن أبقى هنا
ظلًّا يُجاورُ خوفكِ المرتابَ
أن أحتويكِ بلا ضجيجِ مواساةٍ
أن لا أزيدَ على القلقِ أسبابَ
فإذا بكِ قلتِ: ما نفعُ وجودك؟
وكانَ وقعُ القولِ فيَّ قاسيًا
كأنّ كلَّ وقوفي قربَ روحكِ
صارَ عدمًا، وصارَ حُبّي ناسيًا
آلمني، نعم
لأنني ما جئتُ يومًا عابرة
ولا حملتُ قلبَكِ إلا مُقدّسًا
ولا حسبتُ القربَ حسابَ تَفاخُرٍ
بل كان واجبَ عاشقةً متنفّسًا
إن كنتُ قصّرتُ الطريقَ إليكِ لفظًا
فالقلبُ أوفى من بيانِ لسانِ
وإن أخطأتُ فهمَ ما تحتاجُهُ
فذلك جهلُ محبٍّ لا خيانةُ إنسانِ
أنا لا أبرّئ نفسي من قصورٍ
لكنني ما كنتُ يومًا مُدّعية
كلُّ الذي أردتُهُ أن تشعري
أنكِ لستِ وحدكِ… وأنني
أمسحُ خوفَكِ لا بصوتٍ عالِ
بل بسكينةِ من يحبُّ بصدقِ
فإن أردتِ حديثَ حرفٍ حاضرٍ
علّميني وسأكونُ أوّلَ ناطقِ
وإن أردتِ الصمتَ بعضَ مواساةٍ
فأنا الصمتُ إذا ضاقَ البيانُ
لا أطلبُ الليلةَ غيرَ صفاءِ قلبٍ
ولا أريدُ سوى سلامٍ واطمئنانُ
تعالي نتركُ ما آلمَنا خلفًا
ونحنُ أوسعُ من عتابِ لحظةٍ
فالودُّ لا يُقاسُ بردّةِ فعلٍ
بل بنيّةٍ صادقةٍ ثابتةٍ
هذه يدي، وهذا قلبي كما هو
لم يتغيّر، لم يساوم، لم يلن
إن كنتُ أخطأتُ الطريقَ إليكِ يومًا
فالحبُّ يعرفُ كيف يُحسنُ من جديدٍ ويستمرّ ولا يَهِن
سامحيني إنْ خذلَ الصمتُ لساني
وخانَ التعبيرُ قلبي حين ضاقا
فما كنتُ يومًا عنكِ بعدًا
ولا اخترتُ في قربِكِ الفراق
أنا حينَ أقلقُ لأجلكِ أصمتُ
لأنّي أخافُ على وجعِكِ زيادة
أخافُ الكلمةَ إن خانت نبرتها
فتُثقِلُ روحًا أنهكها السهادُ
ظننتُ الحضورَ أمانًا بلا ضجيج
وظننتُ القربَ يُفهَمُ دونَ شرح
ولم أدرِ أنّ القلقَ إذا اشتدّ
يحتاجُ صوتًا، لا قلبًا فقط
فإن آلمكِ منّي سكوني
فأنا أعتذرُ من عمقِ نيّتي
وأعتذرُ لأنّي أحببتُ بطريقتي
ولم أسألكِ: كيف تحبين أن أكون؟
اعذريني إن بدا لكِ ضعفي
وأنا ما كنتُ إلا أرتّب خوفي
أحاولُ أن أكون لكِ سندًا
ولا أعرفُ دومًا شكلَ الكتفِ الصحيح
ما كنتُ عبئًا، ولا ادّعيتُ كمالًا
ولا حسبتُ نفسي فوقَ الخطأ
أنا إنسانةٌ تخطئُ حين تحبّ
وتصيبُ حين تنوي الصفاء
إن كنتُ جرحتكِ دون قصد
فخذّي اعتذاري حنونًا، صريحًا
وأبقي لي مكانًا في قلبكِ
فإنّي ما جئتُ يومًا جافية
هذه الليلةَ أمدّ لكِ قلبي
بلا دفاع، بلا عناد
إن شئتِ قبوله فذاك شرفي
وإن شئتِ الصمت، أفهمُ السواد
لكن اعلمي، قبل أن يهدأ الليل
أنّي ما كنتُ ضدّكِ يومًا
كنتُ معكِ
حتى حين خانني التعبير