على مثله فليبكِ من كان باكيا
ومن هو أولى بالدموع هواميا؟
دهاه الرّدى والنيلُ يرنو تطلعًا
إليه فيلفيه على الأرض جاثيا
سل الثّورة الكبرى فكم خاض نارها
ومَدّ يدًا للموت أحمرَ قانيا
وسل منبرَ المعمور عن خطب له
دعت مصر للجلا فدكّت رواسيا
وسل ظلماتِ السجن عن خيرِ زائرٍ
قضى دهرَه في السجن جذلانَ راضيا
وسل ثورةَ الإصلاح عن كَلِمٍ له
دعتْ وهدتْ للخير من كان آبيا
مواقف لن يُمحى مدى الدهر ذكْرُها
ولسْنَ على مرّ الزمان خوافيا
عرفناه سبّاقًا إلى كلّ غايةٍ
أخا همّةٍ شماءَ تُدني الأقاصيا
له صولةٌ في الحقّ كالرعد صاخبًا
وكالسّيفِ بتارًا وكالليث ضاريا
وكان لدين الله خير مناصرٍ
فكم ذاد عنه كلّ يوم أعاديا
تُطالع منه حين تلقاه بسمةً
تُريك سنا القلب الكبير مناديا
وترتع منه في خِلالٍ حميدةٍ
يحوطك منه العطف والبرّ حانيا
كأنّي إذا أرعيتُ سمعي بيانه
أنمّق في طلْقٍ من الزهر جانيا
أنستُ به دهراً فأُشْرِبتُ حبّه
وألفيت منه الفضل والنبل ساميا
وفاءٌ، وفهمٌ للحياة، وفطنةٌ
له الرأي في ليل الحوادث هاديا
تحمّل عني البشر إذ قيل قد قضى
وأجفل مني العقل إذ خرّ ثاويا
مضى ونفوس القوم ترأم نعشَه
وترمقه الآمال حسرى عوانيا
وخلّفنا في ليلةٍ نابغيةٍ
كأن على الأعناق فيها أفاعيا
ونهنهت دمعي أن يكفّ فلم يزدْ
على أن توالى هاميًا من شؤونيا
سألتُ إلهي أن يجود ترابه
سحائب تُزجيها الرياح غواديا
تهنّأ، «أبا العيون»، وامرح بجنّة
ونَمْ في جوار الله تنعم هانيا
رسالتك الكبرى وَفَيْتَ بحقها
وكنتَ شجاعًا في جهادك غاليا
بكيت وما يُجدي البكاءُ على امريءٍ
بنفسيَ من ودعتُ أسوان باكيا