تخطَّ إلى المحتوى

غير معروف

٢٦٨ بيت

الوصف

يا ليلُ،

ما أبقيتَ من جسدي

سوى ظلٍّ يطاردُه النعاسُ… ولا ينامْ.

أنا ساهرٌ،

كالموجِ يجري في بحارٍ

لا حدودَ لها،

ولا تُفضي شواطئُها إلى وطنٍ،

ولا تُهدي الغريبَ سوى الظلامْ.

تتكسَّرُ الأرواحُ فوق وسادتي

كالكأسِ،

ينزفُ في يديَّ ولا يُلامْ.

ما أثقلَ الأحلامَ حينَ تُنازعُ القلبَ الضعيفَ،

وكلُّ حلمٍ،

في سريرِ العمرِ

موؤودُ القيامْ.

أتلو على وجعي صلاتي،

كلُّ نافذةٍ تُطلُّ عليَّ

مقبرةٌ،

وكلُّ مرآةٍ أُحاذرُ وجهَها

تنكرني،

كأنّي لم أكنْ

غيرَ انكسارٍ في الزحامْ.

يا ليلُ،

يا وجعًا يُؤثّثُ في دمي سكناهُ،

يا جرحًا يُرتِّبُ كلَّ أحرفِهِ

على وجهي…

ويسقطني كما يسقطُ نجمٌ

في فضاءٍ مستباحْ،

هل تسمعُ أنيني؟

أم أنا وحدي أغنّي

كي أُواري في الغناءِ عن الهلاكْ؟

كم بتُّ أستبقي نداكَ،

لعلَّ في صدري فساحةَ راحةٍ،

لكنّني

كلّما ارتميتُ على يديكَ،

رأيتُني حجرًا

يؤرِّقُهُ السكونُ،

ولا ينامْ.

وأنا الصغيرُ،

ولكنّي حملتُ على يديَّ خرائبًا

أثقلْنَ ظهري قبل أن ينمو،

وكمْ نامتْ على صدري ليالٍ لم تُطقها روحُ طفلٍ،

واستفاقتْ في دمي أحزانُ قرنٍ كاملٍ،

كأنّني المصلوبُ في أوهامِ من عبروا،

وما عبروا.

كأنَّ العمرَ يُولدُ في ضلوعي ناقصًا،

وأنا أُشيِّعهُ

إلى أبوابِ موتٍ لم يُزلْ عنّي غبارَهُ بعدُ،

كأنّي كنتُ أسبقُ موتَ أحلامي بخُطوتِها،

وأرجعُ خائبًا،

محنيَّ ظهرٍ،

مُثخنًا بالليلِ

والشهواتِ،

والأحمالِ،

والوجعِ الثقيلْ.

ما زال صِغري يرفضُ الكُبَرَ الذي في داخلي،

لكنَّهُ مُنحوتُ وجهٍ،

غائرٌ،

متحجّرُ النظراتِ،

مكسورُ التراتيلِ التي لم تكتملْ.

وأنا الذي حملَ الزمانُ كأنّهُ

لم يُبقِ في كفّيهِ غيرَ بقايةٍ سوداءَ،

تسكنُني،

وتسكنُ كلَّ شيءٍ حولَنا.

يا ليلُ،

كم قَتَلتْ خطايَ مسافةً

لم تُنجني،

لم تُسعفِ القلبَ الكسيرَ،

ولا مَدَدْتَ إلى انطفاءِ العمرِ

غيرَ سكونِكَ الأعمى،

وسقفٍ غائمٍ

قد ضاقَ بي،

وتشقّقتْ فيه الجراحْ.

أنا فيكَ غارقُ نجمةٍ

برداءِ وهمٍ،

كلّما حاولتُ أن أرقى،

تكبَّلَ حولَ كاحلتيَ الترابُ،

فأسقطُ المعنى،

وتنفرطُ الأماني،

كالحصى بينَ الأصابعِ،

لا يُقيمُ لها اتّساقْ.

يا ليلُ،

يا صمتًا يزمجرُ في دمي،

ويُعيدني طفلًا،

معلَّقَ في الحنينِ إلى غيابٍ

لم يَعُدْ يرجو الرجوعْ.

ما زلتُ أحملُ فوق ظهري

كلَّ أحجارِ الطفولةِ

حينَ غابتْ عن يديَّ يدٌ

تضمُّ مواجعي،

وترشُّ في قلبي أمانْ.

ما زلتُ أسهرُ،

والشوارعُ نائماتٌ حولَ نافذتي،

كأنّي وحدَ هذا الليلِ أُشعلُهُ،

وأوقدُ في متاهتِه البقايا،

كي أُضيءَ على خرائبهِ طريقًا

لم يزَلْ يهربُ منّي.

يا ليلُ،

كم عصفَ الغيابُ بروحِ مَن

لم يعرفِ الأوطانَ إلّا في عيونِ امرأةٍ،

ولم يعرفْ دفءَ الأمومةِ

غيرَ صدرٍ ضاعَ عنهُ

كما تضيعُ قوافلُ التائهينْ.

كم مرَّ من حُلمٍ،

ومن خُطواتِ عُشّاقٍ

تعثّرَتِ الحياةُ بهم،

وما عرفوا سوى أنَّ الحياةَ

مجرَّدُ اسمٍ في كتابِ الغائبينْ.

يا ليلُ،

يا حزنًا يُعيدُ إليَّ أوجاعي،

ويستبقي رماديَ في رمادْ،

هل من ضياءٍ

يستطيعُ الآنَ أن ينفذْ

إلى هذا السوادْ؟

أنا هاهنا…

مصلوبُ أحلامي،

أُحدِّقُ في مرايايَ الكسيرةِ،

لا أرى وجهي،

أرى موتي،

وأسمعُ في الصدى

صوتًا يُناديني:

“أما زلتَ تعيشُ؟

أما زلتَ تُداري بالرجاءِ

وهمًا يتيهُ؟”

كم كنتُ أحسبُ أنَّ لليلِ نهايةً

تُشبهُ صبحًا طيّبًا،

لكنّهُ

يمتدُّ في أعماقِ روحي،

كالسلاسلِ،

كالزنازينِ المبلَّلةِ

التي أكلتْ شبابَ الحالمينْ.

يا ليلُ،

يا نهرًا بلا ضفتينْ،

يا منبعًا

لوجوهِ موتى

يسألونَ عن الرحيلْ،

خذني،

فقد تعبتْ خطايَ من الطريقِ،

ولم أعدْ أقوى على حملِ الفراغْ.

يا ربِّ،

ماذا قد جنيتُ لكي أُلقى

في بئرِ هذا الليلِ منفًى؟

كلُّ ما عندي

قصائدُ واهنةٌ،

وروحٌ ضاقتْ بها سُبلُ الحياةْ.

يا ربِّ،

أيُّ خطيئةٍ

جعلتْ جبالَكَ تنحدرْ

فوقَ الكتِفْ؟

أأنا الذي أفسدتُ كونَكَ؟

أم أنا وهمٌ

تُحاصرُهُ السنينْ؟

ما عدتُ أدري:

هل خلقتَني كي أُعاقَبَ بالوجودْ،

أم كي أظلَّ أُسائلُ الأشياءَ

عن معنى حضورٍ لا يُجابْ؟

كم لي أناديكَ؟

والسهراتُ تُطفئُني،

وتُشعلُ في عروقيَ نارَها،

حتى غدوتُ رمادَ أيامي،

وضاعتْ في زوايا الروحِ

خطواتي الصغيرةُ

كالغريبْ.

يا ربِّ،

أما ترى أني ضعيفٌ؟

أما ترى أني غريبٌ؟

أما ترى أني وحيدٌ،

لا يضمُّني وطنٌ،

ولا تحتويني أمٌّ،

ولا تردُّني الحبيبةُ من سرابْ؟

ماذا تُريدُ؟

أما كفَى أني حملتُ من المواجعِ

ما يُفتّتُ صخرةً؟

أما كفَى أني صرختُ،

وما وجدتُ سوى جدارٍ

يرتدُّ صوتي منهُ

كالأصداءِ في كهفٍ مُوحشٍ

مصلوبْ؟

إن كنتَ تسمعُ،

فأجبْ…

فإنني صرتُ القصيدةَ والجرحَ،

وأنا الذي ما زلتُ أزرعُ في الخرابْ.

يا وجعًا،

تربّعتَ في عروقي مثلَ نهرٍ

لا يجفُّ،

ومثلَ ليلٍ لا يُطيقُ فجرًا،

ولا يُسلمُ قناديلَهُ للصبحْ.

أما كفاكَ أن تُقيمَ فيَّ

معبدًا من صمتٍ؟

أما كفاكَ أن تُعلِّقَ في جدارِ روحي

صورَ الأمواتْ؟

كلما حاولتُ أن أخبّئكَ

بين دفاترٍ مهترئة،

خرجتَ من حروفها

كأفعى

تُعيدُ سُمَّها إلى فمي.

يا وجعًا،

ما زلتَ تكتبُني كما تشاءْ،

ما زلتَ تُملي نصَّك اليوميَّ

على صفحاتي،

وتتركُني جملةً معلّقة،

كلامًا ناقصًا،

ونَفَسًا لم يكتملْ.

أنا لستُ غيرَ بئرٍ حفرتَها بيديكَ،

تُسقِطُ فيها وجهي كلَّ ليلة،

وتسمعُ ارتطامَهُ

ولا تُنقذُه.

أنا لستُ غيرَ قنديلٍ

يحترقُ في غرفةٍ مغلقة،

لا نافذةَ فيها

إلا إلى رمادي.

يا وجعًا،

أما تعبتَ من ملاحقتي؟

أنا لستُ سوى ظلٍّ يتعثَّرُ بي،

كلما أردتُ أن أركضَ

أمسكتَ بي،

وكلما أردتُ أن أنامَ

بعثرتَ وسادتي

وزرعتَ شوكًا في أهدابي.

أما كفاكَ؟

حتى الصغارُ ينامون،

حتى الطيورُ تعرفُ ممراتِها في الريح،

إلا أنا،

معلَّقٌ بخيوطِكَ،

أرتجفُ

كما يرتجفُ قنديلٌ

في يدِ ريحٍ عمياء.

يا وجعًا،

أتُراكَ قدري؟

أم أنا الذي صنعتُكَ من خوفٍ؟

أم أنّكَ كنتَ في دمي منذ الأزلْ؟

أنا لم أعُدْ أعرفُني،

كلُّ مرآةٍ تسألني: من أنت؟

فأرتبكُ…

وأقول:

أنا قصيدةٌ لم تُكتب،

أنا جملةٌ مشطوبة،

أنا بقايا نَفَسٍ في صدرِ مجهولْ.

يا وجعًا،

لم أعُدْ أطلبُ الفكاكَ،

فقد غدوتَ أنا،

وغدوتُ أنتَ،

ولا سبيلَ إلى فُرارْ.

كأنّنا قمرانِ في ليلٍ بلا منفى،

ندورُ ولا نهبطُ،

نحترقُ ولا نُضيءُ،

نسيرُ ولا نصلْ.

يا وجعًا،

إن كانَ موتي راحةً منك،

فلتكُنْ

موتي الطويلْ.

خذني كما يأخذُ البحرُ الغريقَ،

لا صوتَ فيه،

سوى رجعِ موجهِه الأخيرْ،

لا وجهَ فيه

إلا وجهَك المرسومَ في دمي،

ولا صمتَ فيه

إلا صمتُكَ المُقيمُ على شِفاهي.

يا وجعًا،

إن كنتَ قدري،

فلستُ أملكُ غيرَ أن أقول:

هاؤكَ قلبي،

هاؤكَ روحي،

هاؤكَ صبري،

فاسكنْ كما شئتَ…

لكنْ

إيّاكَ أن تتركني وحيدًا

حينَ ينطفئُ الليلْ.