بَغْدَادُ.. يَا رَحِمَ الأَكْوانِ مُذْ فُطِرَتْ
هَذِي السَّمَاءُ.. وَمِنْكِ انْشَقَّتِ الصُّوَرُ
يَا جِبْهَةَ الدَّهْرِ.. هَلْ لِلْمَجْدِ مِنْ أَثَرٍ
إِلَّا وَفِي خَدِّكِ القُدْسِيِّ يَنْسَطِرُ؟
أَسْرَجْتِ خَيْلَ المَدَى، واللَّيْلُ مَحْبَرَةٌ
وَالكَوْنُ طِرْسٌ، وَأَنْتِ المُبْتَدَا النَّضِرُ
مَا مَسَّ جَفْنَكِ إِغْفَاءٌ.. وَإِنْ عَصَفَتْ
سُودُ المَنَايَا.. فَمِنْ أَنْوَارِكِ القَدَرُ
أَنَا السَّلِيلُ الَّذِي ضَاقَتْ بِيَ المُدُنُ
جِئْتُ اعْتِذَاراً.. وَفِي صَدْرِي يَمِيُّ حَرُ
حَمَلْتُ نَايِيَ.. وَالأَشْوَاقُ تُورِقُنِي
وَفِي حُرُوفِيَ جَمْرٌ.. حِينَ يَنْهَمِرُ
يَا لُؤْلُؤَ اللُّغَةِ العُلْيَا.. وَقِبْلَتَهَا
يَا مَنْ لَهَا تُحْنَى الأَعْنَاقُ وَالفِكَرُ
قَالُوا: "بُيُوتُ الشَّذَا".. فَقُلْتُ: "بَلْ فَلَكٌ"
كُلُّ النُّجُومِ لَدَى أَعْتَابِهَا ذَرَرُ
إِنْ أَنْكَرُوكِ.. فَإِنَّ الشَّمْسَ قَائِمَةٌ
هَلْ يَنْكِرُ النُّورَ إِلَّا مَنْ بِهِ عَوَرُ؟
أَنْتِ الرَّبَابُ الَّذِي كُلُّ الدُّنَى وَتَرٌ
فِيهِ.. وَأَنْتِ المَدَى، وَالخَلْقُ سَفَرُ
خُذِي فُؤَادِي.. قَمِيصاً نَسْجُهُ لَهَبٌ
وَعَمِّدِي الظِّلَّ.. إِنْ ضَاقَتْ بِيَ الأُطُرُ
بَغْدَادُ مَا كَانَ حُسْنٌ بَعْدَكِ امْتُحِنَا
إِلَّا وَخَرَّ.. أَمَامَ السِّحْرِ يَعْتَذِرُ
هِيَ المَجَرَّةُ.. والأَفْلاكُ قِشْرَتُهَا
بَغْدَادُ جَوْهَرَةٌ.. والدَّهْرُ يَنْبَهِرُ
مَا شَادَ كِسْرَى وَلا رُومٌ بِمَمْلَكَةٍ
إِلَّا وَخَلْفَ خُطَاهَا.. كَانَ يَنْحَسِرُ
قَامُوسُ عِزٍّ.. إِذَا مَا الضَّادُ بَاحَ بِهِ
خَرَّتْ أَمَامَ جَلالِ الحَرْفِ.. مَنْ نَشَرُوا
هِيَ العَصِيَّةُ.. لَوْ كُلُّ المَدَى لَهَبٌ
يَظَلُّ كَوْثَرُهَا.. لِلْخَلْقِ يَنْتَظِرُ
شُعَّاعُهَا لُغَةٌ.. أَنْفَاسُهَا حِكَمٌ
تُرَابُهَا لِعُيُونِ الأَنْبِيَا.. ثَمَدُ
يَا سِدْرَةَ المُنْتَهَى فِي كُلِّ قَافِيَةٍ
بِغَيْرِ مَائِكِ.. لَا عُشْبٌ وَلَا ثَمَرُ
فَمَا بَنَى مَجْدَهُ شَاعِرٌ.. وَلَا مَلِكٌ
إِلَّا وَمِنْ شَمْسِ بَغْدَادٍ.. لَهُ أَثَرُ
سَلِي الزَّمَانَ.. إِذَا مَا شَابَ مَفْرِقُهُ
مَنْ خَلَّدَ الدَّهْرَ؟.. قَالَتْ: فِيكِ يَسْتَطِرُ!