أتى الشيبُ لمَّا تولّى الشبابْ
وكلُّ مقيمٍ رهينُ ذهابْ
كأنّ أيادي الحوادثِ كانتْ
تخضّبُ رأسَكَ هذا الخضابْ
إذا عشتَ ذا مطلبٍ طامحٍ
عسى بعدَ عزٍّ تذلُّ الصعابْ
ولكن إذا لم تنلْها فتيّا
فكيفَ تنالُ بعهدِ اكتئابْ؟
ألمْ تكُ فيما مضى فاتكًا
فما نلتَ إلا أسى وانتحابْ
فلا ألفينّكَ ترجو مُحالًا
إلى أنْ ترى الشيبَ يكسو الغرابْ
فدعْ ذا وذاك وأخبرْهمُ
عنِ التجْرباتِ وعيشٍ سرابْ
عرفتُ الهوى منزلًا منزلًا
وذقتُ النعيمَ وذقتُ العذابْ
وقد خضْتُ في لجّ فتّانةٍ
فأغرقَني حُسنُ خودٍ كَعابْ
وموشومةِ الردفِ لم أنسْها
تبطّنْتُها ورشفتُ الرضابْ
وذاتِ السجائرِ قاسمْتُها
كؤوسا تقبّحُ فعلَ الصوابْ
وقبّلتُ أخرى فلمَّا أبتْ
تمادى الغويّ وحلَّ الثيابْ
وأمّ الوليدِ ولمْ أغوِها
دعتني فما جئتُ كي لا أُعابْ
وأحبَبْتُ أخرى لها عفّةٌ
فأهدتْ كتابًا وردّتْ كتابْ
تعلّقتُها طفلةً تتحرّى
هلالَ الوصالِ برغم الضبابْ
ولاقيتُ من صحبتي ما أخافُ
من الدهرِ إذ أزمعوا لانقلابْ
عجائبُ هذي الحياةِ أناسٌ
وليسَت صروحاً ونطحَ السَّحابْ
وكم ذا ترفّقْتُ في حاجةٍ
تُنالُ اصطناعًا بلينِ الخطابْ
وأخرى تنالُ بحزمٍ وعزمٍ
وقهرِ الرجالِ وضربِ الرقابْ
وأَعْطيتُ مالًا وأُعطيتُ مالًا
فعشتُ مجيبًا وأخرى أُجابْ
حفظتُ الجميلَ ولم أنكرنْ
يدًا للصحابِ وغيرِ الصحاب
وصنتُ لساني تركت السٍّبابَ
إذا نبحَتْ من ورائي الكلابْ
أفوزُ واُهزمُ مثلَ المحاربِ
طورًا يصيبُ وطورًا يُصابْ
خلطتُ الصلاحَ بطينِ الفسادِ
كدهريَ لم يصفُ حينَ الشرابْ
مضى العمرُ يا ربُّ هلْ طيّبٌ
ترابي أمَ أنّي خبيثُ الترابْ؟