هَبَّتْ نَسَائِمُهُ فَاخْضَوْضَرَ الأفُقُ
يُفْشي الْبَشَائِرَ وهَّاجًا به الألَقُ
يا أيُّها الْوَافِدُ الْمَوْعُودُ كَيْفُ تُرَى
والْخُرْسُ في وَصْفِ مَا أُوتِيتَ قدْ نَطَقُوا؟
زَيَّنْتَ كُلَّ سَمَاءٍ هِمْتَ مُزْدَهِيًا
فيها يُحيطُ بِكَ الإجلالُ وَالأنَقُ
ومَوْسِمًا صِرْتَ يُغْرَى النَّاظرون بهِ
حتّى تَحَرَّاكَ طولَ الدَّهْرِ من لَحِقُوا
واستبشرَ الْمَلأُ الأعْلَى وأطلقَها
في الْغَارِ جِبْرِيلُ وَحْيًا لَيْسَ يُخْتَلَقُ
اقْرَأْ إلى مَكَّةٍ أمِّ الْقُرَى امْضِ بها
تَرِوي ثَراهَا وَتَهدي تائهينَ شَقُوا
تَحَكَّمَ الصّخْرُ فِيهِمْ فاسْتُجيرَ بهِ
يُهْدَى الْقَرَابينَ دينًا صارَ يُعْتَنقُ!
هَا قَدْ تَراءَتْ لهُمْ في الْغَيْمِ بارقَةٌ
زَهْرَاءَ تُسْعِفُ مَنْ أزْرَى به الرَّهَقُ
وصَادحٌ معَهَا في الْقَوْمِ يُخْبِرُهُمْ
هَذَانِ نَجْدَانِ خُطَّا: النُّورُ والْغَسَقُ
حَارَتْ قريْشٌ فَمَنْ ذا سَوْفَ يُنقذُها
والْجَاهِلِيّةُ تَغْشَاها وَتَخْتَرقُ
النّاسُ محْضُ رعاعٍ ليس يُشْغِلُهُمْ
إلاَّ قِتالٌ وَأوْثَانٌ لَهَا احْتَلَقُوا
لَمْ يَذْكُرِ الدَّهْرُ شَيْئًا مِنْ مآثِرهِمْ
وكمْ أقاموا مِن الأعْراشِ أوْ سَحَقُوا
فجاءَ مَنْ ينشرُ الأنوارَ بيْنُهُمُ
هيْهاتَ يُدْجَى لَهُمْ من بَعْدِه نَفَقُ
يقيمُ لِلْعَرَبِ الأشْتَاتِ مَمْلَكَةً
تُحْنى الرّؤوسُ لها طوْعًا وَتلتحقُ
يا باعثًا مِلَّةَ التّوحيدِ في رِمَمٍ
أنْقذْتَ مَنْ جَرّهُ في بَحْرهِ الْغرَقُ
جمَعْتَ بين شريفٍ فَارِعٍ نَسَبًا
حُرٍّ، وبين وَضِيعٍ عَيْشُهُ رَمَقُ
حتّى أقامُوا على التّوحيدِ دَوْلَتَهمْ
أنْتَ الْيَرَاعُ وَهُمْ في كفِّكَ الْوَرَقُ
بيضٌ إذا نََصحُوا سُودٌ إذَا غَضِبُوا
شُمٌّ إذا اجتمَعُوا غُرٌّ إذا اتّفَقُوا
أحْيَيْتَ في الأنْفُسِ الْكَلْمَى سَنَا شَرَفٍ
لِمَنْ دُعُوا فَاسْتَجَابُوا لِاتَّقُوا وَلِقُوا
وأذعُنُوا بَعْدَمَا وَلَّوْا وُجُوهَهُمُ
إلى السَّمَاوَاتِ لا يَغْفُو لَهُمْ حَدَقُ
أغْرَيْتَهَمْ بِخِلالٍ فيكَ نادرَةٍ
إلى الرَّشادِ، فما ضَلُّوا ولا أَبِقُوا
تُوحي إليهمْ نُبُوءاتٍ مُؤيَّدَةً
هذي الْحضارَةُ لَنْ يُلْوَى لَهَا عُنُقُ
وهذِهِ أُمَّةٌ وُسْطى يُساقُ بها
كُلُّ الأنَامِ وَمِنْها الْخيْرُ يَنْفَلِقُ
أنْتَ السّراجُ تُنيرُ الْكَوْنَ في غسَقٍ
تَهْدي الرّكابَ إذا ما غُمَّتِ الطُّرُقُ
صلّى عَلَيْكَ الّذِي بَلَّغْتَ حُجَّتَهُ
يا مَنْ تضَوّعَ مِسْكًا عِنْدَهُ الْعَرَقُ
ومَسَّتِ الْجِذْعَ يُمْنَاهُ فَأَلْهَبَهُ
شَوْقًا وَهَبَّ إلَيْهِ الْقَوْمُ وَاسْتَبَقُوا!
وسالَتِ الأدْمُعُ الْحَرَّى يُفجِّرُها
حُبُّ الشّفيعِ إلى الْفِرْدَوْسِ يُرْتَفَقُ
أُوتِيتَ منْ كُلِِّ فَضْلٍ مَا سَبَقْتَ بِهِ
وكانَ أوْفَرَ مَا أوتِيتَهُ الْخُلُقُ
حتَّى غَدَوْتَ لَهُ بَيْنَ الْوَرَى عَلَمًا
ومَوْرِدًا يُسْتَقَى مِنْ سَيْلِهِ الْعَبَقُ
هَذا سَلامُ القوافي أنْتَ مُلْهِمُها
تنثالُ ليِّنَةً كَالسَّيْفِ تَنْدَلِقُ