أَلَا تَسْأَلَانِ الْمَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ؟
أَذَلٌّ يُدَاجِي أَمْ جَسُورٌ يُنَاضِلُ؟
أَيُجْزِيهِ وَهْمٌ فِي الْحَيَاةِ وَقَلَقُهَا؟
وَكُلُّ طَرِيقٍ بِالْعِبَادِ تَدَاخَلُ
يُطَارِدُ فِي لَيْلِ التَّمَنِّي سَرَابَهُ
وَيَغْفَلُ عَنْ دَرْبِ الرَّشَادِ فَيَجْهَلُ
فَلَا الْعُمْرُ يُهْدَى مَرَّتَيْنِ لِحَاذِقٍ
وَلَا الدَّهْرُ يُبْقِي سِرَّهُ لِمُجَاهِلُ
إِذَا لَمْ تُعَلِّمْكَ السِّنِينَ مَآلَهَا
فَمَنْ ذَا يُرِيكَ الْحَقَّ، وَالدَّهْرُ رَاحِلُ؟
وَإِنْ لَمْ تُجِبْكَ النَّفْسُ صِدْقًا فَعُدْ
بِهَا إِلَى مَا رَوَتْهُ الْجُدُودُ الْأَوَائِلُ
فَيَا قَارِئَ الْأَبْيَاتِ خُذْهَا نَصِيحَةً
فَكُلُّ نَعِيمٍ غَيْرُ طِيبٍ زَائِلُ
أَلَا إِنَّ حُبُ الْحَيَاةَ غُرُورُ دَهْرٍ
يُرَاوِغُنَا بِأَثْوَابٍ وَ جَوَّاهِرٌ خِدَالُ
وَتَصْعَدُ فِي ذُرَاكَ النَّفْسُ عُجْبًا
فَلَا تُبْقِي لَهَا إِلَّا المَوت زَوَالُ
فَمَا لِلْمَرْءِ مِنْ دُنْيَاهُ إِلَّا كَسَعْيِ
الطَّيْفِ فِي وَهْمٍ خَلفَ الْخَيَالُ
نُغَالِطُ بِالْأَمَانِي كُلَّ صُبْحٍ
وَفِي الْمِرْآةِ تَنْسِجُهَا اللَّيَالُ
تُطَارِدُنَا الْمُنَى حَتَّى إِذَا مَا
ظَنَنَّا الْفَوْزَ، غَابَتْ كَالظِّلَالُ
فَيَا صَاحِ، لَا تَغْتَرَّ بِزَهْوِ نَعِيمِهِمْ
فَكُلُّ النَّعِيمِ إِلَى الْفَنَاءِ يُنَاقِلُ
تُرَدُّ اللَّيَالِي سَيْفَهَا فِي جُيُوبِنَا
وَتَسْقِي قُلُوبَ الْخَاشِعِينَ الزَّلَازِلُ
وَمَا مُلْكُ مَنْ دَانَتْ لَهُ النَّاسُ حِقْبَةً
سِوَى زَائِلٍ، زَادَ الْغُرُورَ وَجَاهِلُ
أَرَى الدَّهْرَ لَا يُبْقِي عَلَى سَادَةِ الْعُلَى
وَإِنْ طَالَ عِزُّهُمْ، فَالْعُلَا لَا تُكَامِلُ
فَهَذَا ابْنُ غَسَّانٍ وَذَاكَ مُحَرِّقٌ
أَطَاحَتْ بِهِمْ تِلْكَ اللَّيَالِي الْجَحَافِلُ
وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُطَاعُ لِعَقْلِهِ
وَمَنْ كَانَ لِلْفَخْرِ الْمُنِيفِ يُقَاتِلُ
وَلَكِنَّهَا الْأَيَّامُ تَعْصِفُ كَالرَّدَى
وَتَنْسِفُ مُلْكًا كَانَ بِالْأَمْسِ حَافِلُ
فَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ لَمْ يُوَرِّثْ دِرْهَمًا
وَلَكِنَّهُ أَهْدَى السُّطُورَ الْفَضَائِلُ
وَكَمْ فَارِسٍ كَانَتْ لَهُ الْأَرْضُ سَاجِدًا
فَمَاتَ، وَبَاتَتْ ذِكْرُهُ لَا تُجَامِلُ
تُحَاكِي السُّلَافَاتِ الْعِتَاقَ رُؤُوسُهُمْ
وَتَبْكِي عَلَيْهِمْ سُوَرٌ وَقَبَائِلُ
كَمْ هَامَةٍ فِي النَّاسِ خُيِّلَ مَجْدُهَا
فَغَابَتْ كَطَيْفٍ فِي الدُّجَى الْمُتَهَادِلُ
فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ ضَلَّ دَرْبَ بَصِيرَةٍ
وَخَانَتْهُ أَحْلَامٌ تَهَاوَى سُفَاهِلُ
دَعْ مَا مَضَى إِنْ كَانَ حُلْمًا تَبَدَّدَا
وَلَا تُتْعِبَنَّ النَّفْسَ فِيهِ الْقَلَائِلُ
فَمَا عَدْنَانُ إِنْ غَابَ مِنْهَا رِجَالُهَا
وَلَا مَعَدٌّ إِنْ خَفَتَتْ فِيهِ الْوَسَائِلُ
فَيَا هَذَا، تَأَمَّلْ فِي الْمَآقِي
وَفِي سُجْفِ الْمَحَيَّا وَالْجَمَالُ
سَتَبْلَى هَذِهِ الْأَجْسَادُ فَجْأَةً
وَيُهْدَى كُلُّ حُرٍّ لِلْجِدَالُ
وَمَا عُذْرُ امْرِئٍ ضَلَّتْ خُطَاهُ
وَكَانَ الْعَقْلُ مِيزَانَ الرِّجَالُ؟
فَكُلُّ امْرِئٍ يَدْرِي وَلَكِنَّ جَهْلَهُ
يُغَشِّيهِ إِنْ لَمْ يُبْعَثِ الْفَهْمُ سَائِلُ
أَلَا تَسْأَلَانِ الْقَلْبَ عَنْ سِرِّ سُؤْلِهِ
أَفِي الْحُبِّ وَجْدٌ أَمْ ضَيَاعٌ بِقَاتِلُ؟
يُدَبِّرُ مَا لَا يَسْتَقِيمُ بِعَقْلِهِ
فَيَهْلِكُ فِي حَبْلِ الْمُنَى الْمُتَمَايِلُ
يُغَالِطُ ظَنًّا بِالرُّكُودِ وَإِنَّمَا
جُلُّ السُّرَى وَهْمٌ كَسَرْجٍ لِزَائِلُ
فَقُولَا لَهُ: إِنْ كُنْتَ تَنْسَى صُرُوفَهُ
فَيَا لَيْتَ قَلْبًا فِي الْعِظَاتِ مُجَاهِلُ
فَمَا أَنْتَ إِلَّا فِي الدُّرُوبِ مُتَاهَةٌ
وَمَاضِيكَ نُوحٌ، وَالْمُنَى كَالسَّلَاسِلُ
وَإِنِّي رَأَيْتُ الدَّهْرَ يَنْقُضُ عَهْدَهُ
وَيَكْشِفُ مِنْ أَسْرَارِهِ مَا يُقَاتِلُ
فَهَلَّا اتَّعَظْتَ بِصَرْخَةٍ مِنْ حَكِيمِهَا؟
وَهَلَّا رَأَيْتَ الدَّرْبَ إِذْ هُوَ قَاتِلُ؟
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّيْلِ سَعْيٌ لِغَايَةٍ
فَمَا نَفْعُهُ وَالسَّعْيُ فِيهِ جَدَاوِلُ؟
فَلَا تَسْتَقِرُّ النَّفْسُ إِلَّا بِخَوْفِهَا
وَلَا تُفْلِحُ الْأَرْوَاحُ إِلَّا الْعَوَاذِلُ
فَكُنْ حَارِسًا لِلْقَلْبِ، لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى
فَمَا كُلُّ سَاعٍ فِي الدُّرُوبِ يُوَاصِلُ
وَلَا تَغْتَرَّ إِنْ أَضْحَى السَّرَابُ لِعَاشِقٍ
فَإِنَّ الَّذِي يُبْصِرْ ضَلَالَكَ عَاقِلُ
وَقِفْ حَيْثُ تَمْضِي الْعَاقِلَاتُ بِحِكْمَةٍ
وَلَا تَسْلُكَنَّ الدَّرْبَ مَا لَمْ تُنَازِلُ
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُكَ صِدْقًا مُرْشِدًا
فَتَتْرُكُ فِي دَرْبِ السَّفَاهِ الْعَوَاذِلُ
وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِنْ سَادَةِ الْحُكْمِ وَاحَةً
فَحَظُّكَ فِي لَيْلِ الْخُفُوتِ الْمُنَاضِلُ
وَإِنْ لَمْ تَجِدْ للنَّفْسِ صِدْقَ عَزِيمَةٍ
فَإِنَّكَ لَا تَهْدِيكَ إِلَّا صِدق الدَّلَائِلُ
بَلَى، كُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ فَانٍ وَيُدْرِكُ
بِأَنَّ الْبَقَاءَ لِمَنْ إِلَيْهِ الرَّاحِلُ
سَتَأْتِي اللَّيَالِي بِالْمَصَائِبِ فَجْأَةً
وَتَبْكِي الْمَدَى إِنْ خَانَهَا الْمُتَفَائِلُ
وَمَا السَّعْيُ إِلَّا سِرُّ نَفْسٍ مُقَدَّسٍ
يُجَازَى عَلَيْهِ مَنْ لَدَيْهِ الْفَصَائِلُ
فَمَنْ زَادَ التُّقَى عَمَلًا وَصِدْقًا
نَجَا فِي الْحَشْرِ مِنْ لَهَيبِ السُّؤَالُ
فَدَعْ عَنْكَ التَّفَاخُرَ بِاللَّيَالِي
وَلَا تَرْكَنْ لِزِينَاتِ الْمَقَالُ
وَلَا تَغْتَرَّ إِنْ نَادَاكَ قَوْمٌ
فَكَمْ خَدَعَتْكَ أَلْفَاظُ الْمَجَالُ
وَكَمْ مِنْ فَارِسٍ عَنًّا تَهَاوَى
وَقَدْ كَانَ الْمُغَامِرَ فِي الْقِتَالُ
وَكَمْ مِنْ ثَرْوَةٍ بَادَتْ وَوَلَّتْ
كَأَنْ لَمْ تُنْثَرِ الذَّهَبُ الْمِثَالُ
فَيَا ابْنَ الْوَقْتِ، زَوِّدْ مِنْ يَقِينٍ
وَلَا تَرْكَنْ لِآمَالٍ طِوَالُ
فَإِنَّ الْمَوْتَ آتٍ دُونَ شَكٍّ
وَيَدْفِنُ مِنْ بَنِي الدُّنْيَا الْجِبَالُ
فَكُنْ لِلْخَيْرِ مِصْبَاحًا وَنَهْرًا
وَزَوِّدْ بِالْهُدَى قَلْبَ الْمُتَتَالُ
فَمَا يَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ إِلَّا
خُطَاهُ النُّورُ فِي دَرْبِ الْكَمَالُ
تَمَضَّى الزَّمَانُ وَمَا نَجَا مِنْ صُرُوفِهِ
سِوَى مَنْ عَلَى الْإِيمَانِ سَارَ الْعَوَاقِلُ
وَمَا الْمَجْدُ فِي تَاجٍ يُزَيِّنُ جَبِينَهُ
وَلَكِنَّهُ فِي خَطْوَةِ الْمُسْتَبْسِلُ
إِذَا مَا دَجَا اللَّيْلُ الثَّقِيلُ بِرُعْبِهِ
فَصَوْتُ الثَّبَاتِ يُرْعِدُ الْمُتَخَاذِلُ
رَأَيْتُ الْوَرَى كَالسَّائِرِينَ بِظُلْمَةٍ
وَمَنْ كَانَ ذَا لُبٍّ أَتَى اللَّهَ سَائِلُ
فَلَا شَيْءَ يَبْقَى غَيْرَ وَجْهِ إِلَهِنا
وَمَا دُونَهُ فَهُوَ الْفُتُونُ الْقَتَائِلُ
تُفَرِّقُهُمْ دَاهِيَةُ الْمَوْتِ بَغْتَةً
فَتَصْفَرُّ مِنْهَا أَدْمُعٌ وَمَفَاصِلُ
وَيُعْرَضُ مَا قَدْ كَانَ مِنْهُ بِخُفْيَةٍ
فَتَبْدُو خُطَاهُ وَالْعُيُونُ سَوَاحِلُ
فَيَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ الْعِظَامِ
وَيَا مَلْجَأَ الْمُهَيْمِنِ فِي الْمَآلُ
إِلَيْكَ الْقَلْبُ يَرْجِعُ فِي انْكِسَارٍ
يُرَجِّي مِنْكَ تَوْفِيقَ الرِّجَالُ
فَهَبْ لِي نُورَ تَقْوَى لَا يَزُولُ
وَقَلْبِي أَنْ تُمِدَّهُ بِاعْتِدَالُ
وَثَبِّتْنِي إِذَا ضَلَّتْ خُطَايَ
وَلَا تَجْعَلْ قَرَارِي فِي ضَلَالُ
فَمَا لِي غَيْرُ بَابِكَ مِنْ مُنَاجٍ
وَلَا غَيْرُ الرَّجَاءِ مِنْ سُؤَالُ
فَيَا رَبَّ هَذَا الْكَوْنِ يَا مَنْ بِذِكْرِهِ
تَطِيبُ الْقُلُوبُ وَيَسْتَكِينُ الْعَاقِلُ
إِلَيْكَ رجائي فِي الْخُطُوبِ وَالرَّدَى
وَفِي كُلِّ يَوْمٍ فِيهِ سِرٌّ وَنَازِلُ
فَهَبْنِي يَقِينًا لَا يُزَعْزِعُ سِرَّنَا
وَهَبْنِي فُؤَادًا بِالضِّيَاءِ يُوَاصِلُ
وَلَا تَجْعَلِ الْأَيَّامَ تَلْهُو بِفِكْرَتِي
فَمَا كُلُّ فِكْرٍ فِي الدُّجَى مُتَفَائِلُ
فَإِنَّ الْخَيْرَ إِنْ زُرِعَتْ بُذُورُهُ
تَعَاظَمَ فِي الثَّرَى كَالْمَرْاسِيلُ