مرَّاكشٌ تزهو على البلدانِ
ببهائها وجمالها الفتَّانِ
هي بهجةٌ للناظرين وإنَّها
أرض السرور وبقعة السلوان
بسطت لسكان الجنوب رداءها
كرمًا وآوتهم بفرْط حَنان
وأنا المنارة بنْتُها البكر التي
صالت بشهرتها على الأقران
مثَّلتُ بالحمراء ما قد شاده
في أرض أندلسٍ بنو مروان
وبلغت أسبابَ السَّماء ولم أقف
حتى لمستُ عَنانها بعِناني
علمي تناهى في العُلوِّ كأنه
همزٌ على ألفٍ من الخفقان
ومؤذّني يتلو الأذان كأنه
طيرٌ يغرّد فوق غصن البان
كم لي أنادي للصلاة وللفلا
حِ أقاربي في السرِّ والإعلان
قَدِّي الرشيقُ أزال عنهم وحشةً
واستأنستْ آذانهم بأذاني
مرَّت سنونَ عديدةٌ وأنا على
مرِّ العصور متينة الأركان
وأقامني المنصورُ يعقوبُ الموحْ
حِدُ مظهرَ التوحيد والإيمان
وضخامتي عنوانُ همّةِ مَنْ بنى
وأجلُّ ما أبقاه من برهان
ولقد رأيتُ من الملوك ضراغمًا
لم ينس ذكرهمُ مدى الأزمان
شاهدتُ دورَ الخير طافحةً بما
أَسْدوه من بِرٍّ ومن إحسان
ورأيت أنوار العلوم مضيئةً
بمعاهدِ التَّثقيف للأذهان
شادوا بلاد العدْوتين وأحسنوا
سيراً بلا جَوْرٍ ولا طُغيان
ساسوا فأبدوا في السِّياسة حكمةً
دان القصيُّ لهم بها والداني
شادوا مدارسَ للعلوم أنارتِ الدْ
دُنيا وكانت مورد الظمآن
في كل جيلٍ أنجبت علماءَ كا
نوا قدوةً لبقيّة البلدان
والكل ُّشاهدةٌ به آثارهم
من غيرِ ما زُورٍ ولا بهتان
لم تفنَ بعدهمُ مآثرهم ولو
فنيت عروشهمُ مع التيجان
وَبناؤهم نطح السحابَ وفي البِنى
مهما تعاظمَ خُلد ذكرِ الباني
انظرْ إلى قصر البديع ففيه ما
يُغني عن التفسير والتبيان
وانظر لبستان المسرَّة قد غدا
فذًا بمغربِنا عديم الثَّاني
فتدفّقت أنهاره وتفتّقت
أزهارُه وحلا جَناه الدَّاني
ذكرُ المؤسّس يوسفٍ لمَّا بنى
مُرّاكشَ الحمراءَ ليس بفان
ماتوا وفاتوا رغم شدة بأسهم
وأنا المقيمةُ ما برحتُ مكاني
إنّي أقمتُ فقُمتُ شاهدةً بما
آتوا من الإعجاز في العمران
وبقيت أقوى ما أكون ترفّعًا
ضدَّ البِلا وطوارئِ الحدثان