تخطَّ إلى المحتوى

قف بالديار استبك زوارها

غير معروف

١٠٠ بيت

المتفرقات

قِفْ بِالدِّيَارِ اسْتَبْكِ زَوَّارَهَا

وانْدُبْ لَهُ بِالدَّمْعِ آثارَهَا(١)

وانْشِجْ، وَأَجْهِشْ بِالْبُكَا، وَانْتَحِبْ

وبَكِّني، وَبَكِّ زُوَّارَهَا(٢)

وانْحَبْ، وَنُحْ مُسْتَعْبِرًا، وَالْتَمِسْ

لِلنَّفْسِ في الْأَشْجَانِ أَعْذَارَهَا

كَمْ مِنْ أُنَاسٍ فَارَقُوا دُورَهُمْ

واسْتَنْفَذُوا بِالظَّعْنِ أَعْمَارَهَا

دُورٌ ثَكالى فَقَدَتْ سَكْنَهَا

لَمْ نَلْقَ بَعْدَ النَّزْحِ دَيَّارَهَا(٣)

أَعْوِلْ عَلَى رَاحِلَةٍ غَادَرَتْ

حَيَّ الْهَوَى مَا وَدَّعَتْ جَارَهَا(٤)

أَشْجَى الدِّيارِ في الْهَوَى دَارُهَا

إِذْ أَدْمَعَتْ بِالصَّمْتِ مَنْ زَارَها(٥)

واسْتَأْنَسَتْ بِالضَّيْفِ مِنْ شَوْقِهَا

فَحَدَّثَتْ نَزِيلَهَا أَسْرَارَهَا

فَاضَتْ أَسًى، تَاقَتْ لِأَصْحَابِهَا

في لَهْفَةٍ تَشْتَاقُ سُمَّارَهَا

غُموضُهَا يَفْتنُ جُلَّاسَهَا

إِنْ زُرْتَهَا سَبَرْتَ أَغْوَارَهَا

يَسْتَوْطِنُ التَفْتِينُ أَنْحَاءَهَا

وفَيَّحَتْ لِلْكَوْنِ إِبْهَارَهَا

اِلْتَحَفَتْ بَهيجَ أَثْوَابِهَا

ولَأْلَأَتْ كَالنَّجْمِ أَنْوَارَهَا

أَبْدَتْ لَنا في الصُّبْحِ عِبْراتِهَا

وأَسْدَلَتْ في اللَّيْلِ أَسْتَارَهَا

تَخْلُبُ مَنْ دَنَا إِلَى طَرْفِهَا

تَخْطِفُ أَلْحَاظًا، وَإِبْصَارَهَا(٦)

تَصُبُّ في أَعْيُنِنَا حُسْنَهَا

كَأَنَّما تَجْذِبُ أَنْظَارَهَا

أَلْقَتْ على نَاظِرِهَا فِتْنَةً

وأَهْرَقَتْ لِلْعَيْنِ أَنْهارَهَا

وأَشْعَلَتْ مَوَاجِعَ الْمُبْتَلى

بَكَتْ عُيونُ الصَّبِّ إِشْغَارَهَا(٧)

لَمْ يَبْقَ مِنْهَا غَيْرُ أَنْبَائِهَا

بِخَيْبَةٍ نَجْتَرُّ تَذْكَارَهَا

إِنِّي رُزقْتُ حُبَّ فَتَّانَةٍ

مُذْ أَوْقَدَتْ في مُهْجَتي نَارَهَا

فَقُلْ لَهَا: (قَلْبُ الْفَتَى غَارِقٌ

في قِصَّةٍ مَا مَلَّ تَكْرَارَهَا)

وقُلْ لَهَا: (إِنِّي تَعَشَّقْتُهَا

أَدْمَنْتُ لَيْلَهَا، وَأَسْحَارَهَا)

أَوَّاهُ مِن عَيْنٍ بَكَتْ لَمْ تَنَمْ

ولَازَمَتْ في الليلِ إِسْهَارَهَا

فَاحْزَنْ عَلَى مَنْ طَالَ هِجْرَانُهَا

قَدْ خَبَّأَتْ في الليلِ أَقْمَارَهَا

غَابَتْ بَعيدًا هَرَبَتْ بَعْدَمَا

قَضَتْ بِهَذَا الْعِشْقِ أَوْطارَهَا

ويْلَ الْفَتى الْوَلْهَانِ مِنْ لَحْظِهَا

يَا ويْلَهُ إِنْ ذَاقَ بَتَّارَهَا

مَنْ لي بِأَيَّامٍ خَوَالٍ مَضَتْ

كَانَتْ دُروبُ الشِّعْرِ مِضْمارَهَا

فَاتِنَةٌ قَدْ أَلْهَمَتْ وَحْيَنَا

تُلَقِّنُ الْأَلْسُنَ أَشْعَارَهَا

فَاقْصُصْ لَنَا مِنْ نَفْحِهَا سِيرَةً

كَانَتْ دُرُوبُ الْحُزْنِ مِشْوَارَهَا

واحْكِ لَنا مِنْ فَيْضِهَا لَمْحَةً

وسُقْ لَنَا في الْبُعْدِ أَخْبَارَهَا

وقِفْ عَلَى رُسُومِ أَطْلالِهَا

واسْتَقْصِ في تَهنِّفٍ دَارَهَا(٨)

عِمْتَ اشْتِيَاقًا، ونُزُولًا بِها

عِمْتَ حَنِينًا عِمْتَ إِعْمَارَهَا

أَنَالَكَ اللَّهُ لَها حِجَّةً

رُزِقْتَ بالوِصالِ إِبْرَارَهَا(٩)

عَنِيدُةُ الْقَلْبِ مِزَاجِيَّةٌ

مَلِيحَةٌ نُجِلُّ مِقْدَارَهَا

مَعْسُولُ قَوْلِهَا بِأُمْسِيَّتي

يُشْعِلُهَا، يُصْبِحُ أَذْكَارَهَا

كَلامُهَا كَالنَّاي في سِحْرِهِ

وشَهْدُهِ أَصْبَحَ مِزْمَارَهَا

كَأَنَّهَا بِالْعَزْفِ قَدْ رَنَّمَتْ

فأَطْرَبَتْ بِاللَّحْنِ أَوْتَارَهَا

مَسَّتْ شِعَافَ الْقَلْبِ؛ فَاسْتَدْمَعَتْ

صَبَّتْ نِياطُ الْقَلْبِ هَمَّارَهَا(١٠)

تُبْصِرُها في الْحُسْنِ حُورِيَّةً

هَيَ الْجِنَانُ للذي اخْتَارَهَا

عِشْقي لَهَا حَقِيقَةٌ مَحْضَةٌ

لَمْ أَسْتَطِعْ في الْعِشْقِ إِنْكَارَهَا

آهٍ لِآهاتٍ بَواكٍ لَهَا

أَصْدَرْتُهَا وَاصَلْتُ إِصْدارَهَا

حَاوَلْتُ بِالْكِتْمَانِ إِخْفَاءَهَا

ونَبْضُ قَلْبي اعْتَادَ إِظْهَارَهَا

تَبُوحُ أَنْفَاسي بِأَشْوَاقِهَا

يُحَفِّزُ التَّحْنَانُ إِجْهَارَهَا

تَسَلَّلتْ إِلَى السَّمَا صَرْخَتي

وزَلْزَلَتْ لِلْأَرْضِ أَقْطارَهَا

فأَوْصَدَتْ فَاتِنَتي قَلْبَهَا

زَهْوًا، وَأَعْمَى الْكِبْرُ أبْصَارَهَا

وغَلَّقَتْ أَبْوابَهَا، وَاخْتَفَتْ

ولَّتْ بِهَذَا الْحُبِّ أَدْبَارَهَا

وبَعْدَ إِطْباقٍ عَلَى بَابِهَا

تُوغِلُ في الْمِغْلَاقِ مِسْمارَهَا(١١)

أَجْرَتْ بِصَمْتِهَا اتِّفَاقِيَّةً

وأَيَّدَتْ بِالْجَفْوِ إِقْرَارَهَا

فحَرَّمَتْ عَلَى مُحِبٍّ لَهَا

عَطَاءَ نَفْسِهَا، وَإِيثَارَهَا

اسْتَنْكَرَتْ ذِكْرَاهُ في قَلْبِهَا

كَأَنَّمَا قَدْ أَصْبَحَتْ عَارَهَا

كَأَنَّهَا بِالْحُبِّ قَدْ دَنَّسِتْ

مُقَدَّسَاتِهَا، وَأَسْفَارَهَا(١٢)

أَبِيَّةٌ في صَدِّهَا كُلَّمَا

نَاشَدْتُهَا، لَقِيتُ إِصْرَارَهَا

كَأَنَّ رُوحَهَا بِذاكَ الْهَوَى

مَدينَةٌ تَطْرُدُ أَخْيَارَها

كَأَنَّهَا قَدْ طَهَّرتْ نَفْسَهَا

وذَبَّحَتْ بِالنَّفْيِ كُفَّارَهَا

لَا بَارَكَ الرَّحْمَٰنُ في قَرْيَةٍ

اسْتَعْبَدَ الظُلَّامُ أَحْرَارَهَا

لَا تَكْتَئِبْ إِنْ أَخَّرَتْ عَاشِقًا

وقَدَّمَتْ في الْقَلْبِ أَشْرَارَهَا

اسْبَقْ، وَفُقْ، نَكِّدْ عَلَى حَاسِدٍ

واكْتُبْ عَلَى نَفْسِكَ إِكْبَارَهَا

كُنْ بُغْيَةً، وَمُبْتَغَى نَاكِرٍ

وقِمَّةً لَهُ، وَمِعْيَارَهَا

واتْبَعْ كَريمَ الْأَصْلِ كَمْ قَريَةٍ

قَدْ شَوَّهتْ بِالزَّيْفِ أَبْرَارَهَا

واصْمُدْ، وَلَا تَهِنْ، وَلَا تَبْتَئِسْ

إِنْ حَارَبَ الْفُجَّارُ أَطْهَارَهَا

لَا تَسْتَهِنْ بِقِلَّةٍ آمَنَتْ

لَعَلَّ بِالنُّقْصَانِ إِكْثَارَهَا

دَعْ صِيتَكَ الْمَزْعومَ في قَلْبِهَا

واجْعَلْ صَفَاءَ النَّفْسِ إِشْهَارَهَا

كَمْ مِنْ قُلُوبٍ كَتَّمَتْ مَا بِهَا

يَفْضَحُ نَزُّ الْغَيْظِ فَخَّارَها(١٣)

يَا لَهْفَ عَيْني مِنْ قُلُوبٍ بَكَتْ

واسْتَقْبَلَتْ في الْعِشْقِ أَقْدَارَهَا

لا يَسْتَكِنُّ الأُنْسُ في عَيْنِنا

مُذْ فَجَّرتْ كالسُّحْبِ أَمْطَارَهَا

ظَالِمَةٌ في عِشْقِها أَحْرَقَتْ

غَابَةَ أَشْوَاقي، وَأَهْوارَهَا

وجَرَّفَتْ أَرْضي بِعِصْيانِهَا

وجَفَّفَتْ بِالنَّأْيِ آبَارَهَا

وهَجَّرَتْ بِالظُّلْمِ سُكَّانَهَا

تَقْتُلُ خَيْلَهَا، وَأَمْهَارَهَا

وأَفْسَدَتْ بِالْجَفْوِ مَحْصولَهَا

وأَعْطَبَتْ بِالشُّحِّ إِثْمَارَهَا

تَسَلَّلَ الْإِهْمَالُ في غَرْسِهَا

وأَوْقَفَ الْفُتُورُ إِنْضَارَهَا

وأَتْلَفَتْ إِنْمَاءَ مَزْرُوعِهَا

وقَطَّعَتْ بِالْعَنْدِ أَشْجارَهَا

وا فَقْدَ أَرْضَاهُ بِمَا مَنَّعَتْ

رَوَاءَ سُقْياهَا، وَإزْهارَهَا

سَقَتْ بِأَنْهارِ الْجَفَا زَرْعَتي

وسَاقَطَتْ قَبْلَ النَّمَا أَثْمارَهَا(١٤)

وامْتَهَنَتْ تَنْهِيدَتي، اسْتَكْبَرَتْ

مِنْ بَعْدِ أَنْ كَشَفْتُ إِسْرَارَهَا

وغَيَّرَتْ طِبَاعَهَا فَجْأَةً

وبَدَّلَتْ في الْقَلْبِ أَفْكَارَهَا

ويْلَ الفَتَى مِنْها إِذَا عَانَدَتْ

وقلَّبَتْ في الْحُبِّ أَطْوَارَهَا

مُحْتَالَةٌ كانَتْ إذا قَيَّمَتْ

مَشَاعِري تَبْخَسُ أَسْعَارَهَا

فَاذْكُرْ فَتَاةً غَلَّقَتْ قَلْبَهَا

وشَيَّدَتْ في الْعِشْقِ أَسْوَارَهَا

أَقَمْتُ في أَحْضَانِهَا جَنَّتي

وأَتْلَفَ الْهِجْرَانُ أَزْهَارَهَا

إْنْ جَنَحَتْ لِلسِّلْمِ ضَاقَتْ بِهِ

وجَمَّعَتْ في السِّرِّ أَنْصَارَهَا

اكْتَسَحَتْ جُيوشُهَا دَوْلَتي

واسْتَعْمَرَ الْإغْوَاءُ أَمْصَارَهَا

وا حَسْرَتَاهُ امْتَلَأَتْ رِحْلَتي

رُعْبًا، وَمَا حَسَبْتُ أَخْطَارَهَا

حَتَّامَ أَهْوَى، وَالْهَوَى قَاِتلٌ

أَضْمَرَ لِلنُّفُوسِ إِضْرارَهَا

وحْدِي أَنا حَارَبْتُ عُدْوَانَهَا

بِمُفْرَدِي وَاجَهْتُ تَيَّارَهَا

فَفَجَّرَتْ بِالْحِقْدِ طُوفَانَهَا

كَبَّتْ عَلَى الْقُلُوبِ إِعْصَارَهَا

سَبَتْ سَفِينَتي، وَرُبَّانَهَا

ومَنَّعَتْ في الْوَجْدِ إِبْحَارَهَا

كَمْ رَحَّلَتْ بِالليْلِ عُشَّاقَهَا

كَمْ تُهلِكُ الْأَبْحُرُ عَبَّارَهَا

وازْدَحَمَتْ شُطْآنُ خُلْجَانِهَا

مِنْ سُفِنٍ تُطْلِقُ إِنْذارَهَا

فَوَدَّعَتْ في الشَّطِّ رُكْبَانَهَا

وشَيَّعَ النَّفِيرُ أَنْفَارَهَا(١٥)

كَمْ أَسْرَفَتْ في الْحُبِّ مِنْ مَكْرِهَا

وأَنْفَقَتْ في الْهَجْرِ دِينَارَهَا

إِيمَا خَلاصَ النَّفْسِ مِنْ عِشْقِهَا

إِيمَا هُروبَهَا، وَإدْبارَها(١٦)

اخْتَرْ بِأَوْقَاتِ الْأَذَى مَهْرَبًا

واتْرُكْ لِخَوْضِ الْحَرْبِ كَرَّارَهَا

كَمْ مِنْ حُروبٍ في تَصَاريفِهَا

أَخْزَتْ بِرَغْمِ الْبَأْسِ عَكَّارَهَا(١٧)

وأَنْصَفَتْ مَنْ نَاصَ في خُفْيةٍ

وأَنْقَذَ الْهُرُوبُ فَرَّارَهَا

كَمْ ثَوْرَةٍ ضَحَّتْ بِأَرْبَابِهَا

تُعْدِمُ يَا لَلظُّلْمِ ثُوَّارَهَا

ويْحي عَلَى الْعُشَّاقِ في قِصَّةٍ

تَبَادَلوا في الْهَمِّ أَدْوارَهَا

شَادَ أَبَالِيسُ الْهَوَى فَخَّهَا

وشَيَّدوا بِالْهَدْمِ أَوْكَارَهَا

ضَيَّعتُ يَا آلَ الْهَوَى فُرْصَتي

أَتْقَنْتُ كَالْمَنْحوسِ إِهْدَارَهَا

يَا لَامْتِدَادِ الصَّمْتِ في بُعْدِنَا

كَأَنَّ فَوْقَ الرَّأْسِ أَطْيَارَهَا

ويْحِي عَلَى قَلْبَيْنِ قَدْ حَصَّلَا

في دَرَجَاتِ الْعِشْقِ أَصْفَارَهَا

حِكَايَةٌ تَبَخَّرَتْ، وَامَّحَتْ

قَدْ وَضَعَتْ كَالْحَرْبِ أَوْزَارَهَا(١٨)