يَسُرُّني أَنّي بحزني حَزينْ
وأَنه يَكفي لِآتِي السِّنينْ
وأنه ما زال أَسخَى يَدًا
وأنني ما زلتُ لا أَستَدين
وأنني لولا اغتِنائي به
لَكُنتُ في "للهِ يا مُحسنين"
وأنَّ لي عُمرًا قَضَى نَحبَهُ
مُناضِلًا في خدمةِ المَيّتين
مَرَرتُ بالدُّنيا سَريعًا، كما
يَمُرُّ في بالِ الأَسيرِ الكَمِينْ
وقلتُ والأيامُ خَلفي: لقد
سَبقتُ يا دُنيا.. متى تَتبعين!
أنا امرُؤٌ أَلْهَتهُ عن عَيشِهِ
قِيامةٌ في كُلِّ يومٍ تَحين
مِن افتراسِ الموتِ يَنجو، إلى
سَلامةٍ تكفي لِقَتلِ المِئين
كقاتِلٍ يُؤذِيهِ في نومِهِ
حَنينُ مقتولٍ كَثيرِ البَنِينْ
وما له حَولٌ لِإرجاعِهِ
ولا لِهَجرِ النومِ خَوفَ الحَنين
يَسُرُّني في الحزنِ أنّي على
دفاتري منه اكتِمالٌ مَكِين
أعُوذُ بالجَبّارِ مِن جُملةٍ
كَتَبتُها، ليست بحَجمِ الأنين
وآهةٍ دَارَيتُ إغراءَها
كما يُدارِي الجُوعَ طاهٍ سَمين
ومِن أذًى بالصّمتِ حارَبتُهُ
لأنَّ بعضَ الصّمتِ رَدٌّ مُهين
ومن عَداواتٍ تحاشَيتُها
لأنني صِرفٌ، ودَهري هَجين
قصائدي ليست سَماويّةً
ولا رماديًّا ثَراها الثمين
إذا بَكَت، أو سال منها دَمٌ
فإنها مِن جَوفِ وَعلٍ طَعين
وإِن بَدا صَوتي ضَعِيفًا بها
فإنّ بي شَعبًا مِن المُنهَكِين
تركتُهُم يَحكُون أوجاعَهُم
ولم أقُل إني بِشِعري ضَنين
وكيف إِن أَعرَضتُ عنهم غدًا
سأُقنِعُ التاريخَ أني أَمين؟!
هناك أَصواتٌ تقول انتقِم
بقَسوَةٍ.. أُخرى تُنادِي بِلِين
هناك مَن يَرجو اقتِناصَ السُّها
هناك مَن يَكفِيهِ رَفعُ الجَبين
وثَمَّ مَن يُوحِي إِليَّ: استمِع
حِوارَنا، واكتُب، فأنتَ الفَطين
كأنه مِن فَرطِ إِرهابِهِ
رَأى بِعَينِ الشّكِّ عَينَ اليَقين
(يَقول لِلشيطانِ في رأسِه:
عليكَ لا أَدري بمَن أَستعين
يُجيبُهُ الشيطانُ مُستَغفِرًا:
أَلَستَ في صَفِّ القويِّ المتين؟!
أَمِ أنَّ "بعضَ الناسِ" قد أَخرَجوا
صَحائفَ الإلحادِ لِلمؤمنين؟!
يُجيبُ: إِيماني انتَهى عندهم
لِأَنني صَلّيتُ بالمُلحِدِين
وأنني حين استَباحُوا دَمِي
أدَنتُ بالإرهابِ مَن لا يُدِين
وأنني قلتُ: اجمَعوا أَمرَكُم
مَذاهبُ الأديانِ ليست بِدِين
وحينما ازدادت خِلافاتُهم
خَرَجتُ عن إِجماعِهِم أَجمَعينْ
وقلتُ: يا قَومي لكم دِينُكُم
ولي -كما قُلتُم- ضَلالِي المُبين
فلا تَزيدوني اعتِسافًا، ولا
تُصنّفوني مِن (يَسارِ اليمين)
لقد عَبَدتُ اللهَ حُبًّا به
وليس بالقُربانِ أَو بالقَرين
وقِبلتي صارت إلى وَجهِهِ
ب(مَكّةَ) استَقبلتُها أو ب(ضِين)
وما خَذَلتُ الدِّينَ يومًا.. ولا
نَصَرتُهُ مِن أَجلِ حُورٍ وعِين
وسوف نَلقى اللهَ سُبحانَه
وكُلُّ مَن خان المواثيقَ خِين
فأعلَنُوا أَني بما قُلتُهُ
كَفَرتُ بالإِسلامِ والمسلمين
وكلما استَرجَعتُ، أَو قلتُ: لا
إِلهَ إلّا اللهُ.. قالوا: لَعِين
وأمطرَت شَتمًا إجاباتُهُم
لأنهم لَيسُوا سِوى مُفلِسِينْ
تَقطّعَت في الأَرضِ أَرزاقُهُم
فأصبَحُوا بالدِّينِ مُستَرزِقِينْ")
ويَصرخُ الشيطانُ: تَبًّا لكم
شَغَلتُموني "يا عيالَ الذين"
أقولُ: هذا كُلُّ ما عندكم؟!
كأنكم لستم بمُستَعمَرين!
تَشدُّني مِن أُمِّ رَأسي يَدٌ
كما يَشدُّ القلبَ حزنٌ دَفِينْ
يقول نَجمٌ طال إِيقادُهُ:
متى أَوَانُ الصّبحِ هذا يَئِين؟!
تقول لِلشُّبَّاكِ عُصفورةٌ:
لِكُلِّ لَيلٍ شابَ صُبحٌ جَنينْ
تَلُوحُ لي صَنعاءُ مكسورةً
وبين جَفنَيها سَرابٌ عَجين
وحُزنُها الطينيُّ أَدنَى إلى
نِياطِ قلبي مِن مكانِ الوَتين
وكيف لا أَبكِي عليها دَمًا
وبيننا عَيشٌ، ومِلحٌ، وطِين!
وطالَما سِرًّا بَكَتني، كما
بَكَت على (وَضّاحَ) (أُمُّ البَنين)
يَسُرُّني إنكارُ حُزني.. إذا
رأيتُ صَنعا، بين حِينٍ وحِين
وقلتُ يا صَنعاءُ لا تَحزني
سَعادةُ السَّجَّانِ حُزنُ السَّجين