فِدًى لكِ نفسُ الحر إن لحْتِ يا مصْرُ
وقلَّ الفدى بالنفس لو أنصف الحرُّ
قصدْتُكِ مثلَ النسر حلّق طائرًا
فلما بدا منك السنى وَقَع النسر
فوكْري على هام الثريّا بفارسٍ
عدلتُ ثرى مِصرٍ به فهو لي وكر
لأرضيَ في الدنيا سماء وما السما
سوى روضةٍ غنَّاءَ أثوابها خُضر
فنِيلُكِ زاهٍ كالمجرّة، والرّبا
بروجك، والنوَّار أنجمك الزُّهْر
نذرتُ إذا قرّت بك العينُ أن تَرَيْ
غبارك كحلاً حينما يصدق النذر
فإن نحرتْ إنسانَها العينُ للفدا
بخلتُ لكيلا يسبق النظرَ النحر
وإن متُّ قربانًا وضمَّخني الثرى
رجوت حياةً من ثرى نشره النشر
رعى الله حيًا مَيْتُه مثل حيّه
تَساوَى به عند العلا القبر والقصر
تمرّ على الميْت القرونُ ولم يزل
صحيحًا ولم يهدم على الهرم القبر
كأن ثرى مصرٍ يزوِّد أهلها
بقاءً فلا يفنون إنْ ذهب العمر
فلا الجسمُ يبلى لا ولا الروح ينزوي
ولا الفضل يفنى لا ولا يخمد الفكر
كفاها فخارًا أنَّ أموات أهلها
كأحياء أهل الأرض فينا وهم كُثْر
وأن الغنى فيها هو الفضل والنهى
وفي غيرها في الفضل أو في الحجى فقر
فما نيلها إلا لجينٌ جرى على
عقيقٍ من الواحات أو تُربها التِّبْر
وما الغيثُ إلا لؤلؤٌ وبساطها
حريرٌ بديع النسج طرّزه الدرّ
ترحَّلت عن قومي بآماليَ التي
بها انتشتِ الدنيا وضنَّ بها الدهر
وجئت إلى مصرٍ، ومصرُ هي المنى
بها انتعش المصدور وانشرح الصدر
وما مصرُ إلا جنّةُ الخلد يلتقي
بها العسل الماذيّ - في النيل - والخمر
أقول سقاها الغيث لا بل سقى بها
بلادًا لها من فيض عرفانها وفر
أفاضت على البلدان علمًا وحكمةً
فكم من يدٍ للفضل ليس لها نُكْر