تخطَّ إلى المحتوى

إن العيون صحائف تتلى

غير معروف

١٣٦ بيت

المتفرقات

إنَّ العيونَ صحائفٌ تُتلى،

وتتلى،

وفي بعضِ ما تُخفي

بلاءٌ على النفسِ إن تُقْرَأ.

العيونُ تبوحُ

ولو أحجمتِ الشفاه،

سيوفٌ في أغمادِها

تكادُ تَدمي الجباه.

إذا نطقتْ

كانت أفصحَ من البلغاءِ،

تفضحُ المحبةَ

وتكشفُ البغضاء.

تتكلمُ قبلَ التفوّه،

وكأنها لا تحاولُ الإخفاء،

تعطيكَ ما تريد

دونَ سؤالٍ أو استجداء.

فاحذرْ لحاظَها،

فلحظةٌ منها

قد تُصيبُ الفؤادَ بداءِ

ما له دواء.

وكم وصفتُ عيونَ المها،

كحلاءَ،

وعيونَ الظباء

نواعسَ الطرفِ

يأسرنَ القلوبَ على استحياء.

أو فاتكاتِ الألحاظ،

إذا رَمَتْ قلبَ الفتى

أصابته بداءِ

لا يُرجى منه برءٌ أو شفاء.

بها يُعرَفُ المرء،

وفيها يسكنُ اللقاء،

فالعيونُ مرايا

تُنبئكَ عمّا في الصدرِ من خفاء.

أمثلُ العيونِ

يخبركَ بما لا تُفصحُ عنهُ الشفاه؟

هي نظرةٌ

قد تفتحُ في القلبِ ألفَ بابٍ للمعنى.

إن أرادت

أصابتكَ،

فلا الخوفُ يردُّها

ولا الذعرُ يقيكَ

كما لا تردُّ المنايا أسبابُ الحذر.

ما هي إلا صحائفُ

يكتبُ القدرُ عليها سطورَه،

أتدري كيف هي؟

كالعربيةِ والضميرِ المستتر.

حدّق بها وتبصّر،

فلنا فيها حاجاتٌ كُثُر،

فكم تُنبئك العيون

عن أحوالِ البشر.

أتلو عليك

ما أخبرتني به العيون:

أنها مسكنُ السحر،

ومخبأُ الأسرار

التي لا يذيعها الحديثُ ولا السمر.

في غورِها

تدورُ المعاني

كما تدورُ النجومُ الزُّهُر،

ويفضحُ البريقُ فيها

ما كاد يخفيه سرُّ القدر.

تخبركَ لحاظُها

عن حدّةِ البصيرة

لا عن حدّةِ البصر،

وعن الدهاء والذكاء

أو عن ضحالة الفكر.

كحلاءُ

ترميكَ نظرتُها

كسيوفِ الخطر،

وحوراءُ

ترشقُ القلبَ

بوابلٍ من النبل.

كفى الفؤادَ منها

طعنةٌ نجلاء

من الأعينِ النُّجل.

هل تأملتَ

عيونَ أطفالِ المدينة

في دفءِ الربيع؟

تخبركَ عن صدقٍ

لا يعرفُ الحدود،

عن رجاءٍ صافٍ

لا تُثقله القيود.

وفي عيونِ ابنتيك

هل ترى الدفءَ بلا حدود؟

غابتانِ من ظلال

تزخرانِ بالخلود،

البراءةُ فيهما

لا تعرفُ الخوف

ولا تدري نظراتِ اللئيمِ والحقود.

كأنهما تقولان لي:

كلُّ ما مضى يا أبي

لابد أن يعود.

كأنّ بعد هذا اليوم

لا فراقَ

ولا صدود.

في عينيهما

أرى ما فقدتُ

من أخبارِ الأحبةِ والجدود،

وكأنهما

غابتا نخيلٍ من بابل

ترويانِ تاريخَ الجدود.

هل دقّقتَ في الأحداق؟

فيها المواعظُ والعبر.

فاحذر

إذا مرّت عليها

عادياتُ الدهر،

فقد تفتكُ في قلبِ الفتى

بلا سهمٍ ولا وتر.

ترى الذابلاتِ منها

حزينةً

كأجداثِ الشجر،

تُنبئكَ عن ماضٍ ثقيل

لا عن أملٍ يُنتظر.

فارفق بها،

فلعلّ الكدر

أضناها،

ولعلّ الدهر

عاد عليها بالغدر.

تخبركَ عن صدقِ الحديث

وعن المكرِ والدهاء،

تخفي كثيراً

وتفضح أكثر.

تفضحُ المحبَّ

بلا عناء،

وربما تحتشدُ فيها

ضغائنُ الخفاء.

فالعيونُ

مصائدُ الألباب،

وناقوسُ الخطر،

تعومُ في بحرِ الحياة

بين علوٍّ وانحدار.

وفي صمتها

لغةٌ لا تخطئ،

لغةٌ

لا تحتاجُ إلى حروف.

فالعيونُ

صحائفُ القدر