غنَّى الحَمام بأطيب الألحانِ
وشدَا فهيّجَ خاطرات جَناني
فذكرت في الشهباء عهدَ خليلةٍ
بجمالها فتنت بني الأوطانِ
ولقد صبوت إلى محاسن وجهها
منذ الصبا وسنائها الفتّان
وكذا نشأت على الدلال بحجرها
تحتاطني بعنايةٍ وحنان
ولكم رأيت من الجميل سوابقًا
أسرتْ بهنَّ حشاشتي ولساني
في عهدها نلت المراد من المنى
وحظيت عن يدها بكل أماني
وأنا على عهد الصداقة ثابتٌ
ما غَيَّرتني حادثات زماني
زعم العذول بأنني في وصفها
قد جئت بالتفريط والنقصان
اردُدْ ملامك يا عذولُ فإنني
ما قمت بعدُ بواجب الشُّكران
كيف السكوت وغادتي هي أمةٌ
ملكيّةٌ روميةُ التّيجان؟
أيسوغ لي كتم الغرام وحبها
وأميرها حَبْرٌ جليل الشان؟
حَبْرٌ لقد ملك القلوب بلطفه
وحبا الأنام لآلئ الإحسان
حَبْرٌ تفرَّد بالنهى ومحامدٍ
علويّةٍ ذاعت بكل مكان
حَبْرٌ أتاه الله كل جميلةٍ
في الدين والتقوى وفي العرفان
حَبْرٌ يحلُّ المعضلاتِ بحكمةٍ
ما فلَّ ماضيها ظُبا الأسنان
حَبْرٌ إذا ذكر الفخارَ مُفاخرٌ
ما احتاج يومئذٍ إلى برهان
حَبْرٌ جليلٌ لوذعيٌّ ماجدٌ
فصفاته جلّت عن التبيان
حَبْرٌ غدت شهباؤنا في عَوْده
من خمرةِ الأفراح كالنشوان
باتت على جمر الغضى وعيونها
دون الرقاد قريحة الأجفان
مذ ودّعته أودعته قلوبها
والدمع منتثِرٌ كعِقد جُمان
يا ليلةً بان الحبيب عن المها
كم في الحشا خلَّفتِ من نيران
كم أدمعٍ أذرفت يومَ وداعه
وملأت أفئدةً من الأشجان
حمدًا لمن جبر القلوب وسرَّها
وأتى العزاء بلطفه المنّان
فاقبلْ هدايَا صادقاتٍ في الولا
أنعِمْ وجُدْ بالعطف والرضوان
واسلمْ ودمْ وانعمْ وفزْ واملكْ وسُدْ
وآهنأْ بعمرك في حمى الرحمان