يا «مصرُ» مهلاً في الوادع وأجملي
فلغير وصلِك عنك لم أترحلِ
ودعي فتًى عشِقَ الفضائلَ يدَّرِعْ
سيفًا يضارعُ ماضيَ المستقبل
أنا لا أحيد عن الوداد وإن أكن
عنه أحيد فلا أكون «أبا علي»
لا أرتضي بسوى هواك وإنَّ لي
يا مصرُ قلبًا ليس عنك بمنسلي
بك قد نشأت وفيك أسرتيَ الألى
بهمُ أتيهُ على الزّمانِ وأعتلي
وأنا امرؤٌ لا يستميل بيَ الهوى
لذوي القُدود ولا ذواتِ المِحْجل
أمسي وأصبح في العلوم ولم أقل
يا أيها الليل الطويل ألا انجلِ
فأنا بليلي والعلومُ كأنما
تُتلى علينا سورةُ المزمّل
وَإذاَ رنا ظبيٌ بعادل قَدّهِ
فأرى العدالة أن أكون بمعزل
وإذا انثنت شمسُ المحاسن أَنثنِي
عنها وأذكر شيمتي وتجمّلي
وإذا تكون عظيمةٌ فعزيمتي
أسمو بها فوق السِّماك الأعزل
إن كان من طبعي الغرامُ فشيتمي
تأبى التذلُّلَ لامرئٍ متدلِّل
ولقد شربت من الصَّبابة أكؤسًا
فوجدت منها الشهد شِيبَ بحنظل
واعتضتُها بهوى الفضائل والعُلا
إن الفضائل حِلية المتجمّل
ودعتنيَ العليا لنيل وصالها
من دون ما مهرٍ فلم أتقبَّل
والمرءُ إن أَعطَى المعاليَ مهرَها
علمًا جديرٌ أن يقولَ لها صلي
والبعدُ في نَيْلِيهِ ليس بضائري
وَلوَ انَّ صبري في النوى لم يَحْلُ لي
يا قلبُ حسبُك حيثُ ذبتَ من النوى
واصبر ولا تهلك أسىً وتجمل
واتبع نُهاك فأنت إن لم تتَّبعْ
ما إن أرى عنك الغواية تنجلي
فإذا عُطيتُ فلا عجيبَ فإنما
يُخني عليّ ترفعي وتفضلي
وإذا سلمتُ وشمتُ حظّيَ مقبلاً
فبعون «توفيقِ» العزيزِ الأول
الداوريُّ عزيزُ مصرَ مليكُها
شبلُ العلا فرعُ الملوكِ البُسَّل
قومٌ إذا ما المجدُ حدَّث عنهم
يومًا يحدّث عن «سعيدٍ» عن «علي»
الباذلُ المعروفَ دون تكلفٍ
والمنقذُ الملهوفَ دون تمهُّل
ذو هيبةٍ تدع الأسودَ جوامحًا
وشمائلٍ تحكي نسيمَ الشَّمْأَل
غرسَ الصلاحَ فكان من ثمراته
زهرُ التمدّن في صدور الكُمَّل
شمل الأنام بعدله وحَباهُم
جودًا ولا جودُ الغمام المسْبل
ملكٌ جوادٌ لا يرامُ جَنابُه
إلا لمستجديه أو متوسِّل
لو أن «أحنف» كان في ذا العصر ما
عُرف اسمُه مثلاً لدى المستمثل
إن قيلَ حاتمُ قلت أين العينُ من
جودِ الغمام وأين جُودُ الجدول؟
أو قيل «كسْرى» قلتُ كسرى عادلٌ
لكنه بالدين غيرُ مجَمَّل
أو قيل «عنترةُ» الفوارس قلت لا
إن العصَا ليست كحدِّ المنصل
لاموا الزمانَ ببخله بمُمَلَّكٍ
يسمو به دين النبي المرسل
كذبوا فمن يكنِ المليكُ مليكَه
يعلمْ بأن زمانه لم يبخل
لا زال بدر علاه فينا ساميًا
أبدًا ونجمُ عِداه طيَّ الأرجل
وأدامه مولى الأنام مُمَتَّعًا
بالسّعد مسرورًا بحفظ الأشبُل
ما قال «توفيقٌ» يودّع مصرَه
يا «مصرُ» مهلاً في الوداع وأجملي