تخطَّ إلى المحتوى

لقد طال شوقي بعد طول تفرق

الطويل

٣٦ بيت

النسيب

لَقَدْ طَالَ شَوْقِي بَعْدَ طُولِ تَفَرُّقِ

وَأَصْبَحَ قَلْبِي فِي الهَوَى غَيْرَ مُطْلَقِ

أُحَدِّقُ فِي رَمْلِ الدِّيَارِ فَأَرْتَجِي

بَقَايَا حَنِينٍ قَدْ تَبَدَّدَ فِي الأُفُقِ

وَكُنْتُ أَرَى الأَيَّامَ تَمْضِي كَسَابِحٍ

يُفَرِّقُ مَا بَيْنَ القُلُوبِ وَيَخْتَنِقِ

فَلَمَّا تَوَلَّى ذَاكَ وَصْلٌ تَحَطَّمَتْ

مَشَاعِرُ قَلْبٍ كَانَ بِالحُبِّ مُعْتَنِقِ

وَأَصْبَحْتُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالصُّبْحِ حَائِرًا

كَأَنِّي بِرِيحِ الوَهْمِ أَمْشِي وَأَحْتَرِقِ

أُحَدِّثُ نَفْسِي كُلَّ يَوْمٍ فَتَسْكُتُ

كَأَنَّ لَهَا فِي الحُزْنِ صَوْتًا يُوَثِّقِ

أَهِيمُ بِهَا هَيْمَانَ مَنْ ذَابَ وَجْدُهُ

فَصَارَ كَمَنْ فِي الحُبِّ أَمْسَى يُصَفِّقِ

إِذَا ذُكِرَتْ فِي اللَّيْلِ ذَابَتْ مَحَاجِرِي

وَأَصْبَحَ نَبْضُ القَلْبِ فِيهَا يُفَرِّقِ

وَكُلَّمَا جَاءَتْ خَيَالًا تَهَشَّمَتْ

جِبَالُ صَبْرِي وَانْثَنَى مَا يُطَبِّقِ

أَرَاهَا فَيَبْقَى النُّورُ فِي كُلِّ مَنْظَرٍ

كَأَنَّ زَمَانِي فِي لِقَاهَا يُرَوِّقِ

فَيَا وَجْدَ قَلْبٍ لَا يَزَالُ مُعَلَّقًا

بِمَنْ جَعَلَتْ رُوحِي لِعَيْنَيْهَا تَشْتَهِقِ

وَأَمْشِي وَذِكْرَاهَا تُلَاحِقُ خَاطِرِي

كَظِلٍّ إِذَا مَا الرِّيحُ هَبَّتْ يُصَادِقِ

وَأَسْقُطُ بَيْنَ الشَّوْقِ وَالصَّبْرِ مُنْهَكًا

كَأَنَّ بِيَ القَدَرَ الَّذِي لَا يُفَارِقِ

تُحَرِّكُ فِي صَدْرِي الحَيَاةَ وَرُوحَهَا

فَيَذْهَبُ عَنِّي مَا يُثَقِّلُ مُشْرِقِ

وَكُلَّمَا قُلْتُ انْتَهَى الشَّوْقُ عَادَ لِي

كَأَنَّ لَهُ فِي القَلْبِ عَهْدًا مُوَثِّقِ

وَإِنْ غَابَتِ الأَيَّامُ عَادَ خَيَالُهَا

يُحَرِّكُ فِي صَدْرِي جَرِيحًا مُحَرَّقِ

أُحِبُّهَا حُبًّا تَجَاوَزَ حَدَّهُ

فَصَارَ كَسَيْلٍ فِي العُرُوقِ مُدَفِّقِ

تَجُرُّنِي الذِّكْرَى إِلَى كُلِّ لَحْظَةٍ

فَأَسْقُطُ بَيْنَ الوَهْمِ حَيْثُ أُصَدِّقِ

وَإِنِّي إِذَا مَا رَأَيْتُ وُجُهَهَا

تَفَتَّحَ فِي صَدْرِي رَبِيعٌ مُوَثِّقِ

كَأَنَّ عُيُونَ النَّاسِ لَيْسَتْ تَرَانِي

إِذَا مَا رَأَيْتُ الحُسْنَ فِيهَا يُطْلِقِ

وَأَسْهَرُ لَيْلًا كُلَّمَا غَابَ طَيْفُهَا

وَأَحْلُمُ أَنَّ القُرْبَ أَمْسَى يُحَقِّقِ

وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَزْدَهِي الشَّوْقُ فِي دَمِي

كَأَنَّ حَيَاتِي فِي الهَوَى لَا تُفَرِّقِ

وَإِنِّي لَأَسْقِي القَلْبَ مِنْ ذِكْرِهَا دَمًا

فَيَحْيَا وَإِنْ كَانَ النَّزِيفُ يُغَلِّقِ

وَكُلَّمَا زَادَ الحَنِينُ تَكَسَّرَتْ

جِبَالُ قَلْبِي فِي الهَوَى وَتَفَرَّقِ

وَأَمْشِي وَفِي صَدْرِي صَدًى مِنْ حَدِيثِهَا

يُعِيدُ صَدَى الشَّوْقِ فِيَّ وَيُطْلِقِ

فَكَيْفَ الفِرَاقُ وَالقَلْبُ بَعْدَهَا

كَأَنَّ زَمَانِي دُونَهَا غَيْرُ مُشْرِقِ

أَهِيمُ بِهَا حَتّى إِذَا مَا تَنَفَّسَتْ

حَيَاتِي غَدَتْ نُورًا يُضِيءُ وَيُشْرِقِ

فَإِنْ غَابَتِ الدُّنْيَا فَحُبِّي ثَابِتٌ

كَجَبَلٍ عَلَى الأَيَّامِ لَا يَتَفَرَّقِ

وَإِنْ قِيلَ مَنْ هَذَا الَّذِي ذَابَ وَجْدُهُ

فَقُلْ ذَاكَ قَلْبٌ فِي الهَوَى يَتَحَرَّقِ

وَإِنِّي لَأَمْشِي وَالقَضَاءُ مُلَاحِقِي

وَحُبُّهَا فِي صَدْرِي قَدِيمٌ مُعَلَّقِ

وَلَوْ أَنَّنِي أُعْطِيتُ مَا فِي خَزَائِنِ الدُّنَى

لَمَا بَدَّلَتْ نَفْسِي هَوَاهَا المُحَقَّقِ

تَظَلُّ هِيَ الدُّنْيَا إِذَا مَا تَحَوَّلَتْ

وَيَبْقَى هَوَاهَا فِي دَمِي غَيْرَ مُفْرِقِ

أُحِسُّ بِهَا فِي كُلِّ نَبْضٍ وَخَافِقٍ

كَأَنَّ وُجُودِي لَا يَكُونُ بِمُفْتَرِقِ

فَيَا لَيْتَ قَلْبِي يَسْتَقِرُّ بِلِقْيَةٍ

تُرَجِّعُ مَا ضَاعَ الزَّمَانُ وَفَرَّقِ

وَإِنِّي لَأَمْشِي وَالشَّوْقُ يَسْبِقُ خُطْوَتِي

وَأَعْلَمُ أَنَّ العِشْقَ قَدْ كَانَ مَحْرَقِ

فَكُونِي كَمَا شِئْتِ فَإِنِّي مُتَيَّمٌ

بِحُبٍّ إِذَا مَا قِيلَ ذَابَ وَأَشْرَقِ