شدّي أوتارَ جراحكِ يا ريحُ
ونوحي في بكواتِ الليلِ
بيأسٍ ومراره!
شدّي أوتارَ جراحكِ يا ريحْ!
فاليومَ تصيحُ بصوتِ أساكِ المسلوبِ
قلوبُ الناسِ الظمآى
ويلوذُ بترجيعكِ ألفُ جريحْ!
واليومَ تئنُّ كمنجاتُ الضجرِ السوداءِ
على جثمانِ الغربةِ
ناعيةً سنةَ الحزنِ المحتضرة...
ويغورُ القمرُ المرهقُ
في أعماقِ ضريحْ!
شدّي أوتارَ جراحكِ يا ريحْ!
وعلى تذرافِ العبراتِ انتحبي
كنواعيرِ قرانا المجروحةِ
شجواً وأنينا!
شدّي أوتارَ الحسراتِ
وغنّي باكيةً في الدارِ على إيقاعِ (بكاوينا)!
كلُّ العالمِ يبكي يا أمَّ الأعشاشِ الحلوةِ
كلُّ العالمِ يبكي فينا!
لا إيقاعُ أغانيكِ المتعبُ
يغسلُ بالدمعِ تجاويفَ العينِ العطشى
أو ترجيعُكِ ذو الصوتِ المبحوحِ
يعزّي أيتامَ القلبِ
ولا قمرُ المغربِ يُغرقُ بالإشراقِ أماسينا.
كمْ كانَ حزينا
أن تصعدَ أصواتٌ مؤلمةٌ من مقبرةِ الوادي
وتحلّقَ تحتَ سماءِ الحسرةِ
أصواتُ (نعاوينا)!
كمْ كانَ حزينا
أن نتأمّلَ تحتَ القمرِ الغاربِ
صورَ الأصحابِ الرحّلِ
والأفكارَ الليليّةَ وهي تهاجرُ من شبّاكِ ليالينا!
كم كانَ حزينا!
احترقت كلُّ الغيتاراتِ على أنغامِ
عزائكَ يا ليلُ
وما سكنتْ بعدُ كمنجاتُ الغربةِ عن تجريحِ
كمنجاتِ بواكينا!
كم كانَ حزينا!
أن يصرخَ مجروحٌ صرخةَ يأسٍ
ويجاوبهُ في جنباتِ الليلِ جريحْ!
وتصيحُ بصحراءِ الوحشةِ روحٌ باكيةٌ:
رُحْمَاكِ يا ريحْ!
رحماكِ حين تفيضُ بكائيّاتٌ موجعةٌ
في ليلاتِ الحزنِ المهدورِ
وتنتصبُ الفزّاعاتُ بهيئاتٍ مفزعةٍ
لتدقَّ أياديها الصلبةُ
أعناقَ أغانينا!
رُحْمَاكِ...
حين يشرّعُ موتُ الشاعرِ
تحتَ سماءٍ موحشةِ الغيمِ
جناحيهِ
ويسقطُ في عرضِ البحرِ
سقوطَ الصرخةِ في أعماقِ ضريحْ
رُحْمَاكِ يا ريحْ!
نحنُ بكينا عندَ مغيبِ الشمسِ
فراقَ أعزّاءِ الناسِ
ولكن حينَ نفارقُ أنفسنا
في الليلِ الموحشِ من يبكينا؟
رحلَ الناسُ وراءَ رحيلِ الناسِ
وظلّتْ كخرائبَ خاليةٍ في الأرضِ
مأوينا!
فجلستُ وحيداً أبكي عندَ مطالعَ هذا الليلِ الضائعِ
لا الراقدُ في بئرِ الدارِ المهجورةِ
يسمعني الآنَ
ولا الحجرُ الواقفُ في هيئةِ نُسْكٍ راهبةٍ
يقرأُ في كتبِ الصحراءِ قفاره.
كُلُّ الوحشةِ أنَّ القلبَ يموتُ وحيداً
كالغصّةِ فوق جبالِ المغربِ
والطرقاتُ الجبليّةُ من دونِ مصابيحْ!
كلُّ الوحشةِ أنَّ الكلماتِ المكتوبة بالعبراتِ
تسيلُ على صفحاتِ الحزنِ أسىً وخساره!
شدّي أوتاركِ وابكي بجميعِ جراحكِ يا ريحْ!
فاليومَ ستشربكِ الأفواهُ الظمآى
من إبريقِ الدمعِ
وتلعقُ دمعكِ ألسنةُ الندمِ العطشى
وشفاهُ المزمارِ المترعِ بالدمْ!
واليومَ يخيّمُ ظلُّ المأساةِ على أرواحِ المحتضرينَ
وينهضُ من أعماقِ العزلةِ عشرونَ عدمْ.
واليومَ تهزُّ الأمُّ الثكلى
بيدِ الرحمةِ سبعةَ أطفالٍ
يلتفّونَ بقمصانِ الليلِ
وسبعَ مراجيحْ...
ويغنّي شعراءُ العالمِ بقلوبٍ داميةٍ
ونفوسٍ شبهَ محطّمةٍ:
شدّي أوتارَ جراحكِ
وابكي كلَّ بكائكِ يا ريحْ!