تخطَّ إلى المحتوى

سامحتك بالقلب اليائس يازرياب

غير معروف

١٤٢ بيت

المتفرقات

سامحتكَ بالقلبِ اليائسِ يازريابْ !

الناياتُ ترفرفُ كالبجعاتِ على كونشيرتو العاشقِ

والمطرُ العاطرُ يهطلُ أوتارا أوتارْ ..

والنهرُ يسيلُ زلالاً مع صوتِ الغيتارْ .

فيمَ سكوتك

والسكرُ مسيلُ دموع العينِ على الأكوابْ ؟

فيم سكوتك يا زرياب ْ ؟

المغربُ أسرابُ نجومٍ

تتشعشعُ في بستانِ شموعْ

وسلالٌ تتنزّلُ فوق سلالْ

فالعاشقُ يبكي من فرطِ جمالِ الينبوعْ ..

والجسدُ الأبيضُ للمرأةِ ينبوعُ جمالْ !

والخمرةُ ذاتُ الطعمِ الرائعِ

تتقطّرُ صافيةً مثل كريّاتِ البلورْ

فتجمّر في الكأسِ نقاط النورْ .

والقمرُ الأروعُ فوق نواظرنا

يتوالدُ

في الليل هلالاً بعد هلالْ .

هوذا الليلُ كثوبِ العرسِ

يهرهرُ زهراً أخضرَ فوق خدود الدنيا

والفجرُ يشقشقُ في المشرقِ أسراباً أسرابْ .

وأريجُ الرمانِ يفوحُ على وجهِ فتاةٍ

جهجهَ في شهوتها المشمشُ

وارتعشَ الطلُّ

فراحت ترقصُ كالغيمةِ فوقَ رؤوسِ الأشجارْ

فيم سكوتك يا زريابْ ؟

اعزفْ نغماً مزماريّاً يطربُ هذا القلبَ

لترقصَ روحُ العاشقِ

كالكروانِ على رجعِ زغاريدِ المزمارْ !

خلّ ضفائرَ أنثاكَ ترفرفُ فوق جمالِ الكونِ

شرائطَ أفراحٍ

وزرازيراً وطيوراً بعد طيورْ !

فالفتياتُ نوافيرٌ

تتعاشقُ في رقصتها المائيّةِ

والتفاحُ صدورْ .

ماءٌ أبيضُ ماءٌ أزرقُ

ماءٌ يشربُ ماءَ النورْ ..

وأغانينا في سكراتِ الأعراسِ

نواعيرٌ

تتوقّفُ ثم تدورْ .

أسمعنا عزفكَ !

موسيقاكَ ذراعٌ بيضاءُ تهزُّ سريرَ النائم

في فردوس أغاني ،

وتلامسُ أقداحٍ تتصادى فوق صواني ..

وأغانيكَ نساءٌ تأخذني بين يديها الدافئتينِ

وترضعني ماء النورْ .

فعناقيدٌ تتدلى فوق فمينِ رضيعينِ

ولوزٌ يتسلّقُ سورْ .

.. عصفورٌ يتعذّبُ في مزمورْ !

موسيقاكَ حبيباتُ المشمش

تتساقطُ من غصنِ الصبحِ

وحبّاتُ الخوخِ المجروحْ ..

وسحابةُ صيفٍ هيفاءُ

تردُّ نسائمُها الروحْ ..

موسيقاكَ دموعٌ تنزفُ من قلبِ صديقٍ صُدّوقْ !

فيمَ سكوتكَ والأقمارُ على بركِ الشهوةِ

تلعبُ بين أيادينا

لعبَ العاشقِ والمعشوقْ ؟

فيم سكوتك يا زريابْ ؟

حنجرةُ العاشقِ عصفورٌ في الشوقْ .

حنجرةُ المرأةِ سكّرةٌ ذابت

في ماءِ العنّابْ .

فالأجراسُ تدقّ وزيزانُ الحبّ تغني في الورد

وريشاتُ النورِ تلوّنُ بالأخضرِ والأزرق والأحمرِ

بستانَ شروقْ ..

والأرواحُ حماماتٌ تتغازلُ نشوى

في الأفقِ الخلاّبْ .

سامحتُ سكوتكَ بالقلبِ اليائسِ يا زريابْ !

ما شرّقَ بالحزنِ الأترابُ

ولا غرّبَ بالشوقِ الأصحابْ !

ماذا أخذَ الحبُّ من الأحبابِ

وماذا خلّى للعشقِ الغيّابْ ؟

لم نفتحْ بابَ القلبِ على القلب

ولا باب الروح على الروح

لنقطعَ دربَ العمر سكارى

والبابُ على البابْ !

لم نفتحْ غيرَ شبابيكِ الليل على الأغرابْ !

لكنّي الآنَ مليءٌ بالصمتِ الربانيّ

وحزنِ العودِ

أضمُّ غناءَ البلبلِ في غيبوبةِ ساعاتِ اللوزِ

وأغفو كالكأسِ على ماءِ السهر الظمآنْ !

يا ربَّ العودِ أنا الآنْ

أسمعُ موسيقايَ المهموسةَ في نفسي

تتسقسقُ بين نعاسِ الليلِ

وإغفاءةِ روحِ السكرانْ !

فأرى قديسًا يبكي في جوفِ كمانْ !

يازريابُ لقد راقَ الليلُ

وشاعَ سكونٌ أزرقُ في الغسقِ السرانيّ

وراحَ السكرُ يروقْ .

صافٍ عزفكَ في إغفاءةِ روحِ الشاعرِ صفوانْ .

فأذبني ذوبانَ الغصّةِ في صعداءِ القلبِ

وأسكرني بأغانيكَ

لأسرحَ فوق جمالِ العالمِ فوقْ !

أسكرني كي أتمايلَ كالنساكِ

على تعزيمةِ موسيقاكَ

فأجنحةُ البهجةِ ترقصُ دائرةً

كفراشاتٍ حول سراجِ النومِ

وقلبُ الشاعرِ يرقصُ كالمتصوّفِ

فوقَ بساتينِ الكرزِ الممشوقْ !

أقْدَسُ ساعاتِ الغبطةِ

أن تتراءى في إشراقةِ نورٍ

رؤيا الخالقِ للمخلوقْ ..

أجملُ حالاتِ العزلةِ أن نسمعَ في الموسيقى

أصواتَ أحبّتنا الغيّاب ْ .

إعزفْ نغماً مزمارياً يا زريابْ !

فأنا مغمورٌ بجمالِ سماواتِ الصيفِ

أناغمُ روحي مع روحِ الكونِ

كأنّي قدّيسُ الدنيا العذراءِ ورائيها

وابنُ الإصغاءِ على شباك لياليها

وحفيدُ مراثيها حين تدورُ الراحُ

مراحاً بعد مراحْ .

في الصبحِ يطهرُ رؤياي شروقُ الشمسِ

وفي الليلِ أطهرُ قلبي بأهلاّتِ هلالِ الأفراحْ

مجروحاً أتلامسُ مع صوتِ الناي

وشفّافاً مع تعزيمةِ موسيقى

أتلامسُ مع أنثاي إذا سكرَ الغيتارُ

تلامسَ أقداحْ .

نتلامسُ بالأعينِ في غيبوبةِ سكرٍ بيضاءَ

فتسقيني العسلَ الأبيضَ من عينيها المسكرتينِ

وأسقيها من عينيّ لقاحَ التفاحْ .

ما أحلى أن نتلامسَ بالأرواحْ !

أن نتهامسَ مثل كناريينِ على زهرة ِدوارِ الفجر،

كطاوسينِ عروسيّينِ

يرفّانِ على إطلالةِ شمسٍ بصباحْ .

فالليلُ خياليٌّ ،

والحزنُ سماويٌّ والبجعاتُ النشوى

تتطايرُ في جوّ السهرةِ كالأرواحْ !

فلماذا أرهفُ سمعي في ساعاتِ الصمت ِ

فلا أسمعُ موسيقاكَ

ترخّمُ في الريحِ حفيفَ الأحبابْ ؟

يا زريابَ الساكتَ في صدري

ما بعدَ جراحِ الشاعرِ في العشق جراحْ !

ما من سببٍ للعشقِ ولا أسبابْ .

كانت نقراتُ العودِ الباكي

تترقرقُ مثل حبيباتِ الأمطارِ على خشبِ البابْ

فلماذا انقطعَ الصوتُ

وصرنا كباراً

نتأملُ من شباكِ الشيخوخةِ كالأغرابْ ؟

نتأملُ والأعينُ تغرورقُ بالدمعِ

خريفِ العمر الحافي

و رحيلَ الأسرابْ !

سامحتُ غناءكَ بالقلبِ اليائسِ يا زريابْ !