يَا لَيْلُ هَلْ فِيكَ طَيْفٌ عَنْهُمُ يَحْضُّرُ
أَمْ أَنَّهُ فِي مَدَى الْأَحْلَامِ لَهُ غَرِرُ؟
كَمْ ذَا أُسَامِرُ نَجْمًا كَانَ شَاهِدَهُمْ
وَصَوْتُ قَلْبِي إِلَيْهِ دَائِمُ الذِّكْرُ
أَنْتِ السَّمَاءُ وَعَيْنِي لَا تَرَى أَحَدًا
إِلَّاكَ، مَا دَامَ فِي الْأَحْدَاقِ مِنْ نَظَرُ
أَنْتِ الشُّرُوقُ الَّذِي أَرْجُو لِقَاءَ دُنًا
وَأَنْتِ وَجْهُ الرِّضَا بِالْحُبِّ وَالْقَدَرُ
وَكَمْ تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنِّي أُحَلِّقُ فِي
رُبَاكِ حَتَّى أَرَى وَجْهًا عَلَى زَهْرُ
أَبِيتُ أُخْفِي حَنِينًا بَاتَ يَفْضَحُنِي
فِي كُلِّ هَمْسَةِ شَوْقٍ بَاحَةَ الْوَتَرُ
حَتَّى إِذَا طَالَ سُهْدُ اللَّيْلِ فِي أَلَمٍ
غَفَوْتُ وَالْقَلْبُ مَا زَالَ الْهَوَى يَثِرُ
مَا عَادَ بَعْدَكِ لِلدُّنْيَا جَمَالُ رُؤَى
وَلَا تَعَافَتْ جِرَاحَاتُ الْهَوَى السَّمَرُ
يَا لَيْتَ لِي مِنْ لِقَاكِ الْوَصْلَ مَرَّةً
ثُمَّ انْتَهَى الْعُمْرُ بَيْنَ الْكَأْسِ وَالْجُزُرُ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ الْبُعْدَ مُهْلِكَتِي
حَتَّى لَقِيتُكِ فَاسْتَحْيَا بِيَ الْجَمْرُ
يَا زَهْرَةَ الْفَجْرِ، يَا نَبْضًا أُلَاحِقُهُ
إِنْ غِبْتِ، صَارَ الْهَوَى فِي خَافِقِي قَبْرُ
أَنْتِ الَّتِي بِوِصَالٍ مِنْكِ أَيْقَظْتِ
رُوحِي الَّتِي كَادَ يُطْفِي وَهْجَهَا الدَّهْرُ
أَتَيْتُكِ وَاللَّيْلُ ثَوْبٌ أَلْبَسَ النَّجْوَى
فَالْحُبُّ فِي صَمْتِهِ كَالْخَمْرِ يَزْدَخِرُ
يَا مَنْ رَحِيقُ شَذَاكِ يَمْلَأُ زَهْرَ دُنْيَانَا
وَيُشْعِلُ النَّجْمَ إِنْ غَابَ بِهِ الْبَدْرُ
كَمْ قُلْتُ لِلرُّوحِ: رُوَيْدًا، إِنَّ عِشْقَكِ
بَحْرٌ، وَقَلْبِي بِهِ الدَّامِي غَدَا أَسْرُ
لَكِنَّهَا لَمْ تُطِعْنِي، بَلْ تَمَادَتْ فِي
شَوْقٍ كَأَنَّ الْغَوَى مَيْسٌ لَهُ فَخْرُ
حَتَّى لَقِيتُكِ، وَانْشَقَّتْ شَفَاهَا ضُحًى
كَأَنَّهَا وَرْدَةٌ فَاضَتْ بِهَا السُّمَرُ
فَلَمْ أَعُدْ أَطْلُبُ النَّجْمَاتِ مِنْ أُفُقٍ
إِذْ صَارَ وَجْهُكِ لِي دُنْيَا بِهَا الْعُمْرُ
أَيَا ضِيَاءً إِذَا مَا أَقْبَلَتْ يَدُهُ
صَارَتْ بِهِ الْأَرْضُ كَالْفِرْدَوْسِ تَزْدَهِرُ
مَا بَالُ دَهْرِيَ قَدْ جَارَ الْهَوَى مَطَرًا
فِيهِ الْجِرَاحُ بِلَيْلِ الْحُزْنِ تَنْحَدِرُ؟
كَيْفَ ارْتَضَى الْبُعْدُ أَنْ يَحْنِي قَوَافِلَنَا
وَالشَّوْقُ جِسْرٌ عَلَى الْأَيَّامِ يَعْتَمِرُ؟
يَا صَاحِبِي، قَدْ قَضَى الْحُبُّ مَوَاجِعَهُ
فَهَلْ يَطِيبُ هَوًى مَا دَامَ يَنْكَسِرُ؟
لَيْلَى الَّتِي جَادَ فِي أَعْطَافِهَا زَمَنٌ
ثُمَّ اسْتَدَارَ عَلَى أَحْلَامِنَا الْقَدَرُ
لَمَّا رَحَلْتِ، غَدَا قَلْبِي يُنَازِعُهُ
قَيْدُ الْفِرَاقِ، وَمَا زَالَتْ بِهِ صُوَرُ
هِيَ النُّجُومُ الَّتِي كَانَتْ تُؤَانِسُنِي
فَغَابَ نُورُ الدُّنَا لَمَّا بِهَا كَدَرُ
كَمْ ذَا نَزَفْتُ بِحَرْفِي مِنْ جِرَاحِ نَوَى
وَأَنْتِ فِي صَمْتِ هَذَا اللَّيْلِ تَعْتَذِرُ
إِنِّي أُعَاتِبُ طَيْفَ الْوَصْلِ فِي غَضَبٍ
فَهُوَ الَّذِي أَرْجَفَ الْأَحْلَامَ وَيَنْحَدَرُ
حَتَّى إِذَا مَا تَجَلَّى الْبُعْدُ فِي نَدَمٍ
عُدْتُ الْمَلَامَ، فَعِشْقُ الطُّهْرِ يَنْصَهِرُ
هَذِي دِمَانَا عَلَى الْأَبْوَابِ شَاهِدَةٌ
إِنَّ الْهَوَى فَوْقَ كُلِّ الصَّمْتِ يَنْتَصِرُ
يَا لَيْلَ شِعْرِي، أَمَا آنَ اللِّقَاءُ بِنَا
لِيَحْمِلَ الْكَوْنُ عَنْ أَوْجَاعِنَا وِزْرُ؟
أَمَا كَفَى الْحُزْنُ فِي طَيْفِ الْهَوَى سَكَنًا
حَتَّى يَغِيبَ الْهَوَى عَنْ رُوحِهِ الْفِكْرُ؟
لَكِنَّنِي رَغْمَ طُولِ الْبَيْنِ مَا وَهَنَتْ
رُوحِي، وَلَا خَابَ قَلْبِي، أَوْ ذَوَى الصَّبْرُ
لَازِلْتُ أَذْكُرُ فِي وَجْهِ الْحَبِيبِ رِضًا
كَالْبَدْرِ يُشْرِقُ فِي أَعْطَافِهِ السِّحْرُ
كَمْ ذَا تَمَنَّيْتُ أَنْ يَبْقَى الْهَوَى أَبَدًا
كَالْأُفُقِ يَجْمَعُنَا وَالْحُبُّ يَسْتَتِرُ
لَكِنَّهُ قَدَرٌ قَدْ خَطَّهُ قَلَمٌ
لَا يَنْحَنِي لِقَضَاءٍ خَطَّهُ النَّصْرُ
فَلَا تَلُمْ قَلْبَ عَاشِقٍ فِي احْتِرَاقِ دُنًا
وَلَا تَقُلْ: لَوْ أَتَى فِي وَصْلِهِ الْعُذْرُ
يَا حُبُّ، إِنَّكِ فِي أَعْمَاقِنَا أَبَدٌ
وَإِنْ تَوَلَّى رَبِيعُ الْعُمْرِ وَ يَزْدَجَرُ
هَذِي الْقَصَائِدُ فِي عَلْيَاءِ غَايَتِهَا
تُهْدِيكِ وَرْدَ الدُّنَا، وَالْعِطْرُ يَنْتَشِرُ
وَأَنْتِ فَاتِنَتِي، إِنْ مَرَّ طَيْفُكِ بِي
ظَلَّ الْهَوَى قَائِمًا، وَالرُّوحُ تَزْدَهِرُ
يَا سَائِرًا بَيْنَ دَرْبِ الشِّعْرِ مُعْتَقِدًا
بِأَنَّنِي سَوْفَ أَهْوَى غَيْرَهَا، خَسِرُوا