قِفَا نُبْكِ مِنْ ذِكْرَى مَلَاكٍ تَجَلَّلا
عَلَى الْأَرْضِ يَحْكِي الْمَحَاسِنَ أَوَّلَا
رَأَيْتُ سَنَاهَا يَوْمَ وَافَتْ كَأَنَّهَا
صَبَاحٌ تُطِيلُ الشَّمْسَ فِيهِ تَأَمُّلَا
فَمَا الْبَدْرُ إِلَّا مِنْ ضِيَائِهَا شُعَاعُهُ
وَلَا الزَّهْرُ إِلَّا مِنْ شَذَاهَا تَجَمَّلَا
إِذَا أَقْبَلَتْ، غَارَ النَّعِيمُ كَأَنَّهُ
يُخْفِي تَوَاضُعًا كَيْلَا يُهَانَ وَيُخْذَلَا
بِعَيْنَيْكِ بَحْرٌ لَا تُحِيطُ بِهِ الرُّؤَى
وَإِنْ غَرَّقَتْ قَلْبَ الْمُحِبِّ تَوَسُّلَا
وَفِي خَدِّكِ الْوَرْدِيِّ سِرُّ حَدَائِقٍ
تُدَاعِبُ فِيهَا النَّجْمَ عِشْقًا مُوَصَّلَا
تَحَدَّثْتُ عَنْهَا لِلنَّسِيمِ، فَقَالَ لِي:
لَقَدْ سَرَقَتْ مِنِّي اللَّطَافَةَ أَوَّلَا
فَيَا فِتْنَةَ الْأَيَّامِ، عُذْرِي فِي الْهَوَى
مُحِبٌّ إِذَا نَادَى الْجَمَالَ تَجَمَّلَا
أَتَيْتُ أُقَدِّمُ فِي يَدَيْكِ قَافِيَتِي
كَأَنِّي بِهَا قَيْسٌ بِالْحُبِّ مُبْتَلَى
تَبَدَّيْتِ فِي أَثْوَابِ فَجْرٍ مُطَرَّزٍ
بِأَنْوَارِ كَوْنٍ قَدْ تَنَاغَى وَتَرَتَّلَا
لِوَجْهِكِ نُورٌ مَا يُشَابِهُهُ وَلَوْ أَنْصَ
فَ الشَّمْسَ الْمَدَى وَالتَّجَمُّلَا
تَرَى فِيكِ أَحْلَامَ الْخَيَالِ كَأَنَّهَا
تُسَاقُ إِلَى عَيْنَيْكِ وَرْدًا مُحَمَّلَا
فَفِي شَعْرِكِ الْمِسْكُ غَارَ نَاعِمًا
وَلِخَدِّكِ الْوَرْدُ الَّذِي طَالَ عَدْلَا
كَأَنَّكِ لِلْغَيْدَاءِ أُمٌّ وَمَنَازِلٌ
لَهَا فِي رَبِيعِ الْكَوْنِ حُبٌّ تَأَصَّلَا
وَفِي نَظَرَاتِ الْعَيْنِ سِحْرٌ يُفِيضُهُ
عَلَى مَنْ رَأَى لِحُسْنِكِ الْفَنَّ مُوصَلَا
أَرَاكِ هُيَامَ الْقَلْبِ تَشْدُو وَتُغَنِّي
عَلَى مَسْرَحِ الْأَشْوَاقِ شِعْرًا وَمَوَّلَا
لَئِنْ كُنْتُ لِعُشَّاقِ عَيْنَيْكِ مُقْتَدِيًا
فَإِنَّ الْهَوَى فِيكِ قَدْ صَارَ مُرْسَلَا
أَيَا مَنْ غَزَتْ رُوحِي بِلَحْظٍ كَأَنَّهُ
رَبِيعٌ يَزُفُّ الْحُسْنَ عِطْرًا مُهَلَّلَا
وَجَدْتُكِ حُلْمَ الْعَاشِقِينَ إِذَا هَمُّوا
بِأَنْ يَسْكُبُوا فِي حِضْنِ طَيْفِكِ أَجْمَلَا
إِذَا قُلْتُ: "يَا بَدْرَ السَّمَاءِ!" أُجِيبُُنِي
بِأَنَّكِ نُورُ قَمَرٍ لَيْسَ يُدْرِكُهُ الْعُلَا
وَفِي ضَحْكَتِكِ الشَّهْدُ يَحْكِي مَذَاقَهُ
كَأَنَّكِ صُبْحٌ فِي الْجَمَالِ مُسَلْسَلَا
حَدِيثُكِ عِطْرٌ، لَوْ رَمَاهُ نَسِيمُنَا
عَلَى الزَّهْرِ أَمْسَى عَاطِرَ الرُّوحِ مُبَجَّلَا
تُذِيبِينَ قَلْبَ الْعَاشِقِينَ بِرِقَّةٍ
وَفِي صَمْتِكِ الشَّوْقُ اسْتَوَى مُكْحَّلَا
كَأَنِّي وَقَدْ صَافَحْتُ كَفَّكِ ضَارِعٌ
بِمَعْبَدِ حُبٍّ لِلْوِصَالِ تَمَاثَلَا
أُنَاجِيكِ يَا أُنْشُودَةَ الرُّوحِ أَبَدَا
وَأُهْدِيكِ مِنْ شِعْرِي طَالَ وَرَتَلَا
فَهَلْ تَذْكُرِينَ الْعَهْدَ يَوْمَ لِقَائِنَا؟
وَهَلْ تُنْصِفِينَ الْقَلْبَ إِذْ كَانَ مُبْتَلَا؟
سَأَمْضِي عَلَى دَرْبِ الْغَرَامِ مُتَيَّمًا
وَأَسْعَى بِأَنْ تَبْقَى بِقُرْبِي مُكَمَّلَا
فَلَا اللَّيْلُ يَنْثَنِي وَلَا الصُّبْحُ يَنْجَلِي
إِلَّا وَقَدْ صَارَ الْهَوَى فِيكِ أَجْمَلَا
إِذَا غَابَ عَنْ عَيْنَيْكِ نُورٌ لِسَاعَةٍ
أَرَاهُ بِعَيْنِ الْقَلْبِ نَبْضًا وَمَشْعَلَا
فَيَا غَايَتِي، إِنْ كُنْتِ لَيْلِي وَظُلَّتِي
فَكُونِي نَهَارِي كَيْ أَعِيشَ مُظَلَّلَا
وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا لِقَاءٌ لِرُوحِنَا
فَقَدْ بَاتَ عِنْدَ الْوَعْدِ حُلْمًا مُتَحَقِّقًا
فَلَا تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَهْوَى وَأَعْشَقُ
فَفِيكِ الْجَوَابُ بَاتَ سِرًّا مُعَلَّلَا
عَشِقْتُكِ حَتَّى صَارَ قَلْبِي لَكِ الْوَرَى
وَإِنَّكِ فِي شِرْيَانِيَ الْحُبُّ دَمٌ جَلَا
فَيَا نَجْمَةً أَهْدَتْ سَمَائِيَ جَمَالَهَا
أَرَاكِ الْقَصِيدَةَ بِالْهَوَى، رَوْضًا وَظِلَّا