يا بلبلَ القصر غرِّدْ في نواحيهِ
واقرأْ علي السمع لوحاً من مثانيهِ
قصرٌ تجمعتِ الدنيا بساحته
وأمطرَ الدهر يمنًا من أعاليه
نسيمُه عنبرٌ والحلم نفحته
وماؤه كوثرٌ والنيل ساقيه
وروضه جنة الفردوس عاليةٌ
والزهر بالروض في دَلٍّ وفي تِيه
ترى المصابيح ليلاً من جوانبه
كأنها في سماءٍ رُكِّبت فيه
لا يطلع المجد إلا في رباوته
ولا يبيت الندى إلا بواديه
قد حدّث الركبُ عن آثار ساكنه
وأخبرَ الجودُ عن آلاء بانيه
نفسي الفداء لظبيٍ فيه يطربنا
ويسلك اللبَّ عمدًا في تثنّيه
أعاد في دولة الألحان مبتدعًا
عهدَ الرشيد وما ضمّت لياليه
والعودُ في حِجره طفلٌ يداعبه
إن حرَّك العود في رفقٍ يناغيه
مرّت أنامله من فوق رقعته
مرَّ النسيم على روضٍ يحيّيه
فأصبحَ العودُ صبّاً في محبته
والقربُ ينشره والبعد يطويه
فما صفا النثر إلا في فكاهته
ولا حلا النظم إلا في أغانيه
سرقتُ منه معاني الشعر فانتظمت
عِقدًا من المدح قد رقّت حواشيه
إلى «زكيٍّ» طويل الباع أبعثه
إلى «زكيٍّ» أبيّ النفس أهديه
عرفتُه قرّةً للعين إن نظرت
وباحثًا عن دفين الداء يشفيه
وحارساً من جنود النيل يحرسه
وصارماً من سيوف الحق يحميه
مُرُّ المذاق إذا ضَيمٌ أُريد به
حلو اللقاء إذا ما جئت تبغيه
إذا توسط قومًا زان مجلسهم
وإن تناول بابَ القول يجليه
في كل يومٍ له آيٌ ومكرمةٌ
في كل دارٍ له قلبٌ يرجّيه
تملَّكَ الحكمَ والأيامُ عابسةٌ
فحار كلُّ حسودٍ في مراميه
إن أظلم الخطب أبدى في غياهبه
نورَ الهدى وإليه الله يُوحيه
أظلّه عطفُ مولانا وأيّده
في النابهين فجئنا اليوم نُطريه
ومن يكن حجّه قصدًا لسُدّته
على ولاءٍ فما خابت مساعيه
يداه للنيل غيثٌ لا انقطاع له
يروح يُمنًا ويغدو في نواحيه
وعزمُه مرهفٌ لا غِمدَ يعرفه
والشعبُ من خلفه بالروح يفديه
قد أصبح الصبحُ لا شكٌّ ولا ريبٌ
فلا بقاءَ على خدعٍ وتمويه