تخطَّ إلى المحتوى

أتتركني الآن وحدي وتمضي

غير معروف

١٣٣ بيت

المتفرقات

أتتركني الآن وحدي وتمضي؟؟

ألم نتّفق أن نظلّ معًا للنهايةِ

أن نرسمَ الدرب خيطا بخيط

ونكتب قصتنا للمساءات

حرفا بحرف

ونبكي معا حين تقسو علينا الليالي

فتطحننا

مثل سنبلةٍ

علقتْ بين شقّي رحًى

في انتظار رغيفٍ

يكون لمائدة العمر قوتًا

يليق بطعم

البداياتُ

لماذا ستتركني الآن

بالذات

قبل نزول الستارةْ

وقبل كتابة آخر فصلٍ

من المسرحيةْ؟

وقبل وصول المحطة قبل الأخيرةِ

فالدرب أطولُ مما ظننتُ

وأكثرُ بردا

وأبعدُ موتاً

لماذا اجترحتَ غيابك

دون اختراع الكثير من الكذب اللامُبَرّرِ

كي تتخلص من عقدة الذنب

حين ألومك

أنك غبتَ

وما زال في وسعنا

أن نمارس بعضَ الجنون

كعادتنا حين نمشي معا

كالصغار

ونفتح شُبّاكَنا للرعونةِ

مثل الصغار

وما زال في وسعنا أن نغنيَ

مثل الصغار

ونقفزَ مثل الصغار

ونركضَ في الطرقات

ونسرقَ من تين جارتنا

ونعودَ بريئَينِ

نسألها هل تريدُ مساعدةً

لتتيحَ لنا من جديدٍ

دخول الحديقةِ

نقطف من تينها ما نشاءُ

على عينِها

ثم نرجعُ للبيتِ

نحلمُ بالغد والأمنياتْ.

أتسمع ماذا تقول العصافير للنافذة؟

فكيف ستتركني يا رفيقي وحيدا؟!

ألم نتفق أن نظلّ معا للنهايةِ

كم قلتَ لي:

لا تخف؟!.

سنكون معا!!

ثم ها نحن!

قد حال ما بيننا الموجُ

غيض الكلام

وما زلتُ أبحث عني

بهمس الحروفِ

ووخزِ الحكاياتِ

خلف مرايا التفاصيلِ

والمفرداتْ

أحاول أن أتخيلَ ما كنتُني

قبل عشرين عاما

وأن أتقمصَ

ما ظلّ يشبهني؛

لونَ عينيّ

تصفيفةَ الشعر

عطري المفضّلْ

وما كنتُ خبأتُه

في خزانة بيتي القديمة

من أمنياتْ

وما كنتُ أخفيته في الدفاتر

من خربشاتْ

ابتسامةَ أمي

التي كنتُ أحفظها

كقصيدة ولّادةٍ لابن زيدونَ

خوف أبي

حين كنت أودّعه كلّ صيف

بألا أعود

فتسلبَني لهفتي

الطرقات

وصوتَ النوافذ في آخر الليل

حين تهشّ عليها رياحُ التشارينِ

حاكورةَ البيت

حين تضيقُ بما جفَ من ورق

لفظتْهُ الغصونُ الحزينةُ

أصفرَ كالموتِ

رائحةَ المطر المتسلل رغم المزاريب

للغرف المغلقات

انتظارا لضيفٍ يجيء على فجأةٍ

لرائحة النعنع البلديّ

بكوبٍ من الشاي

تسكبه بكثيرٍ من الحبّ أمّي

لجارتها حين تأتي على غفلةٍ

لاستعارة بعض الأواني لحفلة حنّاء

إحدى البنات

الكثيرَ الكثيرَ من الذكريات

وآخرَ أمنيةٍ في جرار السنين

وعينينِ

أشرقَتا في الهزيع الأخير من الشعر

قبل انحناء الحروف

لآخر قافيةٍ أثقلتْها الكناياتُ

وهْي تحاول

أن تستحثَ المزيد من اللا كلامِ

لعلّ قليلا من البوح

ما زال في جعبة الكلمات

يفتِّشُ عن فسحةٍ لحنينٍ

سيبقى معي للنهايةِ

هل سنظلُّ ثلاثتنا للنهايةِ؟

أم سوف تمضي

وتتركنا وحدنا؟

كالرفاق الذين

أتاحوا لأنفسهم أن يغيبوا

بلا سبب مقنعٍ

كالكثيرٍ من الأمنيات

التي غادرتني

بلا سببٍ مقنعٍ…؟!

والكثير من الذكريات التي

تستبيحُ دموعي

بلا سببٍ مقنعٍ؟!!…

لا عليكَ

إذا ما أردتَ الذهابَ

فلا تجترح سببا للغيابِ

وحسبُكَ أنّك كنتَ معي

حيثُما كنتُ

خمسين عاماً

فما ظلّ في العمر

أقصرُ من أن تحاول

لبس المزيد من الأوجه المستعارة

كي تتمكن

من أن تواجه

(ما ظلّ في العمر)

في كذبٍ

لا يليق بطعمِ النهاياتْ.