أَنَا حَجَرُ الزَّاوِيَةِ فِي صَرْحِ الصَّمْتِ،
وَأَنَا البَرْقُ الَّذِي يَشُقُّ عَتْمَةَ الوَرَقِ.
خَلْفِي زِحَامُ العَابِرِينَ،
وَأَمَامِي فَضَاءُ المُتَأَمِّلِينَ،
وَمَا بَيْنَهُمَا... أَنَا، بَرْزَخُ المَعْنَى وَحَارِسُ الكَلِمَةِ.
مِنْ ضَجِيجِ الحُشُودِ صُغْتُ لَحْنًا مُنْفَرِدًا،
وَمِنِ انْكِسَارِ الضَّوْءِ وُلِدَتْ فِيَّ قَصِيدَةٌ لَا تَغِيبُ.
أَنَا المَاءُ الَّذِي يَسْكُنُ جَوْفَ النَّارِ وَلَا يَحْتَرِقُ،
وَالرِّيحُ الَّتِي تَعْرِفُ مَسَارَاتِ النُّجُومِ وَلَا تَتْعَبُ.
فِي لَحْظَةِ الشَّكِّ...
كُنْتُ سِرَّ التَّكْوِينِ،
وَمِنْ بَيْنِ أَنْقَاضِ الحَيْرَةِ نَبَتَ فِيَّ اليَقِينُ.
أَنَا الظِّلُّ حِينَ تَغِيبُ الشُّمُوسُ،
وَأَنَا الشُّعَاعُ الَّذِي يَخْتَرِقُ جُدْرَانَ المُسْتَحِيلِ لِيُعْلِنَ المِيلَادَ.
حِينَ يَمْحُو النِّسْيَانُ مَلَامِحَ الطَّرِيقِ...
أَكُونُ أَنَا الذَّاكِرَةَ.
وَفِي صَدْرِ المَدَى السَّحِيقِ،
تَرْتَجِفُ فِيَّ صَرْخَةٌ... لَا أُجِيدُ إِطْلَاقَهَا.
لَا يَحُدُّنِي زَمَنٌ،
وَلَا يَحْوِينِي سَطْرٌ؛
فَأَنَا المَعْنَى الَّذِي يَفِرُّ مِنَ القَافِيَةِ لِيُعَانِقَ المُطْلَقَ.
لَسْتُ صَوْتًا يُسْمَعُ،
بَلْ أَنَا الصَّدَى الَّذِي يَسْكُنُ الوِجْدَانَ.
أَنَا نُقْطَةُ البَدْءِ الَّتِي لَمْ تُكْتَبْ،
وَخَاتِمَةُ النَّصِّ الَّتِي لَا تَنْتَهِي.
فِكْرَةٌ... بِتَمَرُّدِ الأَنْبِيَاءِ،
وَبِهُدُوءِ الفَلَاسِفَةِ أَمْشِي،
وَشُعْلَةٌ تَقْتَاتُ مِنْ زَيْتِ الرُّوحِ لِتُضِيءَ عَوَالِمَ الحَيْرَةِ.
قِفُوا حَيْثُ تَشَاءُونَ...
فَأَنَا المَرْكَزُ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ مَدَارَاتُ الحِبْرِ وَالدَّمِ،
وَكُلَّمَا ظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ بَلَغْتُمُونِي...
ابْتَعَدْتُ.
فَأَنَا الأُفُقُ...
الَّذِي كُلَّمَا نَظَرْتُمْ إِلَيْهِ، اتَّسَعَ.