حَسْبُ المُحبّ سعادةً أنْ يظفرا
بقليلِكمْ أوْ أنْ يموتَ فيُعْذَرا
حِنّوا على كَلِفٍ يبيتُ منادماً
ذكراكمُ متجلّداً متصبّرا
فيذوبُ إنْ ذُكر المرابعُ والصّبا
سُكْراً ويمنعُه الجوى أنْ يسْكَرا
ولْترْحموا دَنِفاً تمَلَّكَه الهوى
منْ هجْركمْ هجرتْ مدامعُه الكرى
من حبِّكمْ ما زال غادٍ رائحاً
في كل حينٍ مُبْكِراً ومهَجِّرا
قد بانَ عنه الصبرُ مُذْ بِنْتمْ بمَنْ
أفْنتْ صِباهُ ودمْعَه المتحدّرا
تفْتَرُّ عنْ برَدٍ يروقُ بياضُه
يبدو من الإشراق بدراً نيِّرا
وتُريكَ ليلاً أسوداً من شَعْرها
وتُريك بالخدَّيْن ورْداً أزْهرا
وتريكُ وجْنتُها بليلةِ شَعْرِها
قمراً بدا وسْطَ الظلام فنوَّرا
فتزينُه ألقاً كما قد زيّنتْ
ياقوتةٌ حمرا عقيقاً أحمرا
وتريك قَدّاً إنْ تثنّتْ ناعماً
ريّاه مثل المسك خالطَ عنبرا
بَسَمَتْ فقلنا البدرُ ليلةَ تِمِّه
ورَنَتْ مهاةً بالعيون وجُؤْذُرا
وهي النؤومُ تميسُ باناً ناعماً
في مشيها وتفوحُ مسكاً أذْفرا
في مقلتيها "ساحران تظاهرا"
لا بُرْءَ من لحْظَيْهما إن يظْهرا
فتسرُّ سامعَها حديثاً ساحراً
وتَسرّ ناظرَها الموفَّقَ منظرا
سُبحانَ باريها المصوّرِ خَلْقَها
قد جلَّ ربي بارئاً ومصورا
إن طال ليلي بعدهمْ فلقد مضى
زمنٌ به قد كان ليلي أقصرا
سقياً لربعٍ حالَ بعدَ فراقنا
وتغيّرتْ آياتُه فتغيرا
سقياً لأيامٍ ملَأناها عُلىً
وكرامةً كبرى وذِكراً أكبرا
خضنا بها صعبَ المرام فذُلِّلَتْ
وبها حمدنا الصبحَ من بعد السُّرى
في فتية ضنَّ الزمان بمثلهمْ
فهمُ سَنامٌ للورى وهمُ الذُّرى
فاقوا الورى شرفاً وراقو صحبةً
واستُحْسِنوا خُلُقاً وطابوا معشرا
لهمُ البحارُ تُذمُّ يومَ عطائهمْ
وتُذمُّ من إقدامهمْ أسْدُ الشرى
كُنَّا إماماً للزوايا كلِّهمْ
مجداً تليداً في الدفاتر سُطِّرا
سُدنا العشائرَ بالتقى والبذلِ في
إقْلالِنا وكفى بذلك مفخرا
من كلّ أبيضَ ماجدٍ من ماجدٍ
من عبقريٍ لمْ يَمُرَّ بعبْقَرا
ولنا منارٌ عارفونَ بدوره
للخمسِ قد كان المُجمِّعَ والعُرى
فاسْألْ بنا العلمَ المخلَّد في الورى
واسْألْ محاريبَ الهدى والمنبرا
وسَل الفقيرَ مُطَرَّداً لا يهتدي
والضيفَ في المَشْتاةِ أشعثَ أغبرا
واسْألْ بنا شِعراً به فُتِنَ الورى
جابوا القفارَ به وخاضوا الأبحُرا
قد راقَ مسموعاً وإنْ كُتِبَ ازْدَهى
مَرْأىً ويحلو في المقال مُكَرَّرا
واذْكرْ أماجدَ سادةً منّا عَلَوا
في البذلِ بذلاً والعلومِ تَبَحُّرا
قُرَّاءَ ضيفانٍ وعلْمٍ نافعٍ
حُزنْا به فضلَ القراءة والقِرى
صنَّا بحمد الله دوْماً عِرضَنا
في فترةٍ فيها يُباع ويُشْترى
لا زالَ فينا ذلك المجدُ المؤَثَّلُ
ثابتاً متأصِّلاً متجذّرا
إنْ يحْسُدونا غَيرَةً فلَطالَما
حَسَدَتْ غُيوثُ العالَمينَ الأنْهُرا
فدَع الزمانَ القُلَّبَ الأكْهى ودعْ
أزْلامَه وبُغاثَه المسْتَنْسِرا
واقْصِدْ بنُجْبٍ في القوافي خيرَ مَنْ
جاءَ البريّةَ مُنذراً ومُبشِّرا
كَرُمتْ نجائبُ بَلَّغتْنا المصطفى
مِنْ خير نُجْبٍ بلَّغتْ خيرَ الورى
طهَ الأمينَ الصادقَ الماحي الشفيعَ
المُصطفى المُزَّمِّلَ المُدَّثِّرا
كانَ الأجَلَّ كرامةً ومكانةً
وأعزَّ منزِلةً وأكْرَمَ عنصُرا
يا خير من حمل اللواءَ ومن دعا
وأقامَ معروفاً وأنْكَرَ مُنْكرا
كمْ معشرٍ للخيرِ قادَ ومعشرٍ
أغنى وكم أفنى جِهاداً معشرا
فاسألْ به بدراً وسَلْ أحُداً وسَلْ
عنهُ المقامَ بمكّةٍ واسْألْ حِرا
واسألْ به البيتَ العتيقَ ومَرْوَةً
ومسارَها وسل الصفا والمشْعَرا
وسَل المواقعَ كمْ بها أحْيى قلوباً
واصْطفى أُمَماً وأفْنى عسكرا
كمْ جاهدَ الأعداءَ حتى فَلَّهمْ
ودعا البريّةَ مُغْرِيا ومُحَذّرا
ما ريئ في الهيْجاء إلا ثابتاً
أو مُقبلاً لا هائباً أو مدبرا
فهو المَحَجَّةُ لِلألى طَلبوا الهدى
يلْقاهمُ متَبسّما مسْتَبْشِرا
والقول ما قد قاله وسِواؤُه
أحرى بأنْ يُلغى ويُنبذَ بالعرا
كمْ مِن أسيرٍ فكَّه كمْ قد أغا
ثَ المُعْتَفينَ وكمْ رقيقٍ حَرَّرا
فَلَأنتَ أكرمُ مَحْتِداً بينَ الورى
وأتمُّهمْ خُلُقاً وأصفى جوهرا
ولقدْ صَدقتُ بحبكمْ ووِدادكمْ
ما كان حُبِّيكمْ حديثا يُفترى
ذاك النبيُّ المرتضى وأحَبُّ مَن
لَهَجَ اللسانُ بمدحه وتعَطَّرا
رفعَ الإلهُ به الأنامَ فحَقُّنا
أنْ نحمدَ المولى العَلِيَّ ونشْكرا
واللهُ قد أثنى عليه معظِّماً
فغدا ثَنانا مُقْصِرا ومُقَصِّرا
فَبِجاهه اغْفِرْ ذنبَ عبدٍ نادمٍ
يدعوكَ ربي تائباً مستغفرا
وارْفُقْ بنا يا ربّنا وتوَلَّنا
ولْترْحمنْ سلَفاً لنا تحتَ الثرى
حقِّقْ مُنانا وارْضَ عنّا ربنا
واجْعلْ أعادينا أذلَّ وأحْقرا
وأَدِمْ علينا أنْعُماً أوْليْتَها
واجْعَلْ عُلانا في الورى متصدّرا
وامْنُنْ بعافيةٍ تدومُ وصحةٍ
والْطُفْ بنا فيما به قدَرٌ جرى
يا رب صلّ على النبي محمدٍ
ما قام عبدٌ للصلاة فكبّرا
وصِحابه والآل أصحابِ العلا
ما طاف ركْبٌ في البلاد وسَيَّرا