كجنديٍّ
يروض طيش الموت
بقراءة رسائل
شاحبة المحيا،
لعله ينسى
أنه غريق
في منفى المنفى.
يحاور وجوها
عالقة بين السطور،
ويلعن في خبر عابر:
خائنا
أفلت كلاب الصيد،
ومتربصا
استباح الدجاج،
وجزارا
يفاوض الجوع
على رغيفٍ
لامرأة يطوقها الحرمان،
وخبزا
لا يفتح الأبواب
ليلا
لأحلام العابرين.
يعيد اكتشاف
الأسرار نفسها
مع كل شهيق...
وزفير.
كان يخشى في سره
على الذاكرة،
أن تفقد الحواس
وملامح آخر وداع.
فيهدأ روعه
بعبارة
تفيض بالصبر والوفاء،
تصف نار الجيران،
وتصمت
عن خراب الأحضان.
وله أن يطوي الرسالة،
كأن الطيّ
ضماد الغائبين،
وكأن الورق
سرير دافئ
لمن لم يعودوا.
في سطرٍ ما
توقف عن تحية المسافرين.
يسأل عن أسمائهم،
كيف مكثوا،
وأين باتوا
حين ضحكوا
حين سكروا
قبل أن يبتلعهم الطريق.
صار يقاوم خوفه الخفي
بدفء كفٍّ
يستخرجها من بين الورق،
وبرائحة الحبر الأسن
يعيد رسم
ضحكات الصغار.
فالطفولة
آخر خندق
لم تصله القذائف.
ويكتم
زئيرا عنيدا،
ولد ليلة
شق عفن الشك
طريقه
تحت جلد الهزيمة.
كجنديٍّ
يرمم جدار الصبر
بصورة عائلية
أكلتها الذاكرة،
يغمسها
في ليل بارد،
كلما اختطفه الشوق
إلى ما وراء
خطوط النار.
يمد يده
إلى غدٍ يتلعثم،
فينهره صباح الفاتحين.
يهرب من طابور الموت
نحو رسائل مبعثرة،
لا يخشى الرصاص...
يخشى فقط
أن يصل
إلى موته
قبل وصول الغمام.
يعبر حقول الألغام
كما يعبر الأعمى
ذاكرته.
يلتقي وجهه
الشاحب بين الجثث،
فيصافحه.
كان يحزم
أمتعة القتلى،
يحمل ظلالهم
إلى جهة مجهولة،
ولا يتعرف على الجثة.
كجنديٍّ
يقرأ اسمه
في أرشيف منتشي المراجع،
يرى كبرياء الأوسمة
حول نعش بلا جسد.
يرسمون المجد
فوق صدر لم يخفق
إلا لتفاصيل صغيرة:
جرحٍ يئن في الظهيرة،
وغربة تنام على عتبة
لا يفتحها أحد.
ويمضون.
ولا أحد يسأل:
كم قبرا مجهولا
يمشي بينهم،
يحمل وجها
كوجه الجيران قربنا؟
يمسح الغبار عن كتفيه،
ويفهم:
أن النصب
ليس احتفالا بالغابرين،
بل خوف الأحياء
من أن يصيروا
بلا شواهد ولا تأبين.
وأنا... الذي تعرفونني
أحصي ما تبقى من خطواتي،
وأبتلع السلالم،
وأظن الطريق
كلما أرهقني
يبعدني عن الموت.
ثم اكتشفت:
أن الموت
كان يمشي بجانبي.
علّموني
كيف تسهر الأشكال
في عقل يوناني،
لكنهم زيفوا الحياة.
فلا خط مستقيم،
ولا حرب
إلا امتداد
لذلك الخط المنكسر فينا،
يحمله الجندي
حين ينام على تراب
لا يشبه تراب الوطن.
علّموني
غرور القواميس،
ومنحوني سخاء
قسوة الدلالة
ووهم التأويل
إلا حلما واحدا:
احتفظوا به:
كيف أمحو اسمي
لأسكن مرادفا آخر
بعد الرحيل،
لا يشل الأحلام.
نسوا الثالث المضيء
بين الموت والحياة.
قالوا:
الموت شمعة تنطفئ.
ولم يقولوا إن الظلام
ليس غياب الضوء،
بل ذاكرة تبحث علنا
عن نجمة تربي خيول الحلم...