هتفوا بَهيكلٍ الوزيرِ، وإنما
حيَّيْتُه رجلاً إلى الأدب انتمى
لو لم تكرمْه الوزارةُ، لانبرى
بلسانه الأدبُ الرفيعُ فكرَّما
تاجان زانا مفرقيه، وإن يكنْ
تاج البيان على المفارق أدْوَما
حبَّبْتُ فيه فتى نحيلاً جسمُهُ
يبدو؛ فتحسبه مُعَنىًّ مغرمًا
حتى إذا مارسته، لم تدر: هل
مارست طودا شامخًا أم عيلما؟
عهدي به في الشرق، مذ أنا يافعٌ
عَلَمًا، إذا ذُكر اسمُهُ ملأ الفما
متوقِّدًا، مثلَ الشهاب ذكاؤهُ
متوثِّبًا، ما قال إلا أبرما
عفَّ اليراعة، والضمير كليهما
سيّانِ: هاجم خصمَهُ، أو هوجما
رجلُ العقيدة لا يقدِّس غيرَها
إن قدَّسَ المتلوِّنون الدرهما
بيعَتْ مبادئُنا، فما أبصرتُه
في السوق ساوم مرةً، أو سُووِما
لله درك بالوزارة ناهضًا
أو في الثقافة منشئًا، ومترجما!
ذكَّرتنا بابن العميد، وعصبةٍ
حوت السياسة، واليراع كليهما
والفكر إن ساس الأمورَ رجاله
كانت بأيديهم أسدَّ وأحكما
سائل بني العباس في أجداثهم:
كم من أديب في الرقاب تحكَّما؟
من ذلك التاريخ كان ولم يزل
سنُّ اليراع إلى الوزارة سُلَّما
أنبَتَّ للأدب المهيض جناحُه
ريشًا، وشِدتَ جداره المتهدما
زعمتْهُ رمزًا للشقاء عصابةٌ
ورماه بالكلم القوارص مَنْ رمى
حتى أتيت؛ فكنت أبلغَ حجةٍ
أدلى بها الأدب الرفيع فأحما
حلَّلتَ للإسلام سيرة أحمدٍ
فحلَلْتَها للناس لغزًا مبهما
الله يشهد، كنت في تحليلها
حُرَّ الضَّمير، وكنت برًا مسلما
تمشي على شوك القتاد بمنهج
خشىَ العِثار به سواك؛ فأحجما
عَبَرَ الرواةُ على حياة محمد
وأتيت، فاستخرجت منها منجما
شتان بينك إذ حَجَجْتَ وبين مَن
زاروا كما زرتَ الحطيم زمزما
عادوا بمسبحة، وعدت بثروة
للشرق كان الشرق منها معدما
حتى غدت بطحاءَ مكة تشتهي
في كل عام أن تحج وتحرما
هذي هي التقوى، وتلك سبيلها
ما أكثر المُتَهَجِّدين الصُّوَّما!
لم أتْلُ من سِفْريك بضعةَ أحرف
إلا حسبتكُ حين تكتب ملهما
حتى كأني حين أقرأ أجتلي
صُوَرًا وأستمع الحديث منغّما
يمضي يراعك في الضريبة إن نَبا
سيف بكف مدرَّع وتثلّما
أين المهندُ من يراع مجاهدٍ
في الله لم يجرحْ ولم يسفك دما؟
قَلم يذود عن الحنيفة تارة
ويذود تارةً الهوانَ عن الحمى
نفثاته في الطِّرس تُدعى أحرفا
لكنها في القلب تنفذ أسهما
يحكي عصا موسى، إذا ألقيْتَهُ
ألْفيتَهُ فوق الصحيفة أرقما
أفعى على الباغين تنفث سُمَّهَا
وعلى جراح النيل تقطر بلسما
أقسمتُ، ما نسيَتْ لك الفصحى يدا
بيضاءَ، صانت حقَّها أن يُهضما
أعلنتَ رأيك فيه غير موارِبٍ
ووقفْتَ تزأر خلف رأيك، ضيغما
كوَّرتَهُ، وحصبت أقواما به
جمَّ الصراحة بالدليل مدعما
ما كنت فردًا إذ وقفت منافحًا
بل كنت جيشًا لا يُفَلُّ، عرمرما
تثني عليك الضاد ملءَ لهَاتها
إن كان يجزيك الثناء، وقلَّما
أو ما كفاها معشرٌ من أهلها
ترك العروبة جانبًا واستعجما؟
متخاذلُ الأسلوب، ليس بمُفهمٍ
معنى، ولو نطق الجماد فأفهما
حسبَ الرطانةَ حلية لبيانه
وسرى إليه لعابها فتسمَّما
إن ترتَقِ اللغةُ، ارتقى أبناؤها
وإذا هوتْ، فأقم عليهم مأتما
بك تحتفي دارُ العلوم، وكم شَدَت
باسم؛ فأنجد في البلاد، وأتهما
انظر بربك حفلها: أفلا ترى
شبح الوفاء بحفلها متجسما؟
دار أعَدَّت للكنانة معشرًا
صالوا بها أُسْدًا، ولا حوا أَنْجما
حملتْ بأول من تسنَّم منبرًا
وشدا بقافية، وحرَّك مِرقما
دارُ العلوم، ونيل مصرَ، كلاهما
يروي بسَلسلهِ البلاد من الظما
لولاه في مصرٍ لما غرس نما
فيهَا، ولولاها لما عقل نما
من أفْقها شعَّ البيان، وما الورى
دون البيان سوى هياكلَ، أو دُمى
لو أن مصرًا سوِّيتْ بشرًا، غدت
دارُ العلوم لسانَهُ المتكلما