خَوْفاً مِن اللهِ لا خَوْفاً على أحَدِ
فرَّقْتُ شَمْلَ أَحِبّائي أنا بيدي
رَهْنُ الأسى حَيْثُما سارُوا مشَى معَهُمْ
نَبْضُ الكَرى في فؤادٍ تارِكٌ جَسَدي
رَضِيتُ مِنْ أجْلِكَ اللهُمَّ أهْجُرُهُمْ
فساعِدِ القلبَ يا رَبّاهُ يا سَنَدِي
أَجُوبُ مُخْتَلَفَ البُلْدانِ أَدْرُسُها
فلمْ أَجِدْ مِثْلَ حالي بالِغَ النَكَدِ
كمْ مِنْ صَحارى بقلبي كنتُ أزرعُها
قَمْحاً لغيري وتَعْزيزاً لِيَومِ غَدِ
مُسالِمٌ كُلُّ ما أحتاجُهُ سَكَناً
في أَيِّ بُقْعَةِ أَرْضٍ مِنْ رُبى بَلَدي
مُعَذّبٌ في حياتي وهْيَ مُقْمِرَةٌ
فكيْفَ بي بينَ ما يَغْلِي ومُنْجَمِدِ؟
يَطْفُو على ماءِ رُوحي من قَوارِبِهِمْ
حَشْدٌ كبيرٌ ورُوحي دُونَما رَصَدِ
ورَدْتُ دِجْلَةَ أسْتَقْصِي منابِعَها
أرْخَتْ حِبالاً وصاحَتْ آهِ ولَدِي
لكنَني رُغْمَ كلِّ الزّيْفِ لي أُفُقٌ
مثلُ السّماءِ التي قامَتْ بلا عَمَدِ
هلْ تَعْلَمِينَ لِماذا لَمْ أكُنْ مَلِكاً؟
لأنني قبلَ يومي قد ملَكْتُ غَدي
كُلّي حَزينٌ على بَعْضِي أُبادِلُهُمْ
حُزني الشَّديدَ وقلبي فاقِدٌ جَسَدي
لِمَنْ أضُمُّكَ يا حَالاً حَلُمْتُ بهِ؟
وصِرْتُ غيْرَكَ في دُنيايَ لمْ أَجِدِ
وَلَّتْ نُجُومي وغابَتْ مِنْ مَواقِعِها
وغِيِضَ مَاءٌ وَجَفَّتْ أَرْضُ مُقْتَصِدِ
أنتَ الذي كُنْتَ لا تَأْوي إلى بلدٍ
فهلْ سَتَبْقى بلا مَأْوىً ولا بَلَدِ؟
لم تنْتَصِرْ بِخَمِيسٍ يومَ مَعْرَكَةٍ
فهلْ سَتُجْدِيكَ نفعاً ليلةُ الأَحَدِ؟
أمامَكَ الآنَ عُمْرٌ كلُّهُ وَجَعٌ
مِنْ ليلةٍ هَدَّ فيها بُعْدُها كَبِدِي
لم أسْتَطِعْ فِعْلَ شئٍ كي نَظَلَّ معاً
لا شيءَ رَهْنُ إشاراتي وتحتَ يَدي
وعاهَدَتْني بأنْ لا شيءَ يُبْعِدُنا
وأنْ نظلَّ معاً نمشي إلى الأبَدِ
سالتْ ليوْمِ غَدٍ عَيْنٌ فما وقَفَتْ
إلاّ وفيها عَمىً مِنْ شِدَّةِ الرّمَدِ
حتى ضُلُوعي بِها مِنْ بُعْدِها أَوَدٌ
فلا تَلُمْ بعضَ أضلاعي على الأوَدِ
كأنَّما هي إنْ غابتْ غداً ومَضَتْ
إلى النّهايةِ لم تَرْجِعْ ولم تَعُدِ
أسْرِفْ إذنْ بدَمٍ تَصْفُو مشارِبُهُ
على عيونٍ مَتى أسْرَفْتَ تقتَصِدِ
وعَوِّدِ النّفْسَ أنْ تَبْقى كما مُكَرَّمَةً
وجُدْ عليها بذِكْرٍ دائمٍ تَجُدِ
أقولُ يا ليلُ إقْبَلْ مِنْ فمِي رَجُلاً
وخُذْ جديداً إلى أعوامِكَ الجُدُدِ
تبَدّدَ الضوءُ والأوراقُ قدْ نُشِرَتْ
وصارَ مَرْمايَ مفتوحاً لِمُنْفَرِدِ
لكَ الرّموزُ فلا تعْبُرْ معابِرَها
أيا وحيداً على دربٍ بلا أحَدِ
عَفَتْ بأرْضِكَ أطلالٌ ومَمْلَكَةٌ
فكيفَ تصطادُ ظَبْياً في فمِ الأسَدِ؟
يمضي الشتاءُ ويأتي الصيفُ ثانيةً
وللشِّتاءِ صُروفٌ وهْيَ كالبَرَدِ
ما غيّرَتْها طقوسٌ أينما نَبَتَتْ
فالزّهْرُ يَعْبَقُ والغُصْنُ الوريقُ ندي
غَنّتْ لِحُسْنِ ثناياها ضرائِرُها
وللضرائِرِ منها نظرَةُ الحَسَدِ
إنّي أُراجِعُ عِشْقاً في بيادِرِهِمْ
عِشْقَ العصافيرِ قَمْحاً ساعةَ الحَرَدِ
إذا الشَّواخِصُ لاحَتْ لي ألوحُ لها
وإنْ تَلُحْ لِصُقورِ الصّيْدِ تبْتَعِدِ
ما كنتُ أجْهَلُ مِشْواري مُغامَرةً
إني أُغامِرُ في الأيّامِ عنْ عَمَدِ
ما أعْظَمَ الحُبَّ يَغْشى كلَّ غاشِيَةٍ
وللمَحَبّةِ تبقى صفحَةُ العَدَدِ
قد يصنَعُ الحُبُّ مِنْ مُسْتَسْلِمٍ أسَداً
ويصْنَعُ الحُبُّ إنْساناً مِنَ الأسَدِ