لم أكن أُجيدُ الرحيل
لم يكنِ الهجرُ يومًا مذهبي
ولا كانَ البُعدُ بابًا أعرفُ كيف أفتحهُ
أنا الذي كنتُ أمدُّ يدي
كلما اشتعلَ بيننا خلاف
وأقولُ للريح :
عودي بما أخذتِ من دفءِ البيوت
أنا الذي كنتُ أفتِّشُ عن الأعذارِ لكِ
قبل أن أفتِّشَ عن أخطائكِ
وأغفرُ قبل أن تطلبي الغفران
لكنَّكِ
كنتِ تدفعينَ القلبَ نحوَ الحافة
قليلًا قليلًا
حتى صارَ السقوطُ
أرحمَ من الوقوف
لا تقولي :
كيف استطعتَ الرحيل ؟!
فأنا لم أرحلْ
أنا فقط
تعبتُ من الوقوفِ أمامَ بابٍ
لا يُفتح
تعبتُ من مناداةِ صوتٍ
اختارَ الصمت
ومن انتظارِ يدٍ
تعرفُ الطريقَ إليَّ
لكنها تختارُ ألا تأتي
لم يكنْ في طبعي
أن أضعَ بيني وبينكِ مسافة
فأنا رجلٌ
إذا أحبَّ
أعطى قلبَهُ مفتوحًا
بلا حراسة
وبلا شروط
لكنَّ القلوبَ يا سيدتي
حين تُجرحُ كثيرًا
تتعلمُ كيف ترتدي درعًا
وإن كانت تكرهُ الحديد
أنتِ التي علَّمتِني
أنَّ بعضَ الغيابِ
ليس خيانة
بل نجاة
وأنَّ بعضَ الأبوابِ
نطرقها طويلًا
حتى تؤلمَ أصابعَنا
ثم نكتشفُ
أنها لم تكنْ لنا يومًا
لم أترككِ لأنني لم أعد أحبكِ
بل لأنني أحببتُ نفسي قليلًا
بعد أن أهملتها كثيرًا
لأجلكِ
لم أترككِ لأنَّ الذكرى ماتت
فالذكرى ما زالت
تجلسُ بجانبي كلَّ مساء
وتسألني :
هل انتهى الأمر؟؟؟
فأشيحُ بوجهي
حتى لا ترى دموعي
أتدرين ؟
إنَّ أصعبَ أنواعِ الفراق
أن ترحلَ وأنتَ ما زلتَ تحب
أن تغلقَ البابَ
وقلبُك خلفَه
أن تمشي بعيدًا
وأنتَ تسمعُ صوتَ الأشياء
التي تركتها هناك
لقد كنتِ وطنًا
لكنَّ الوطنَ
حين يمنحُ أبناءَهُ الخوف
يبحثونَ عن منفى
يحمي ما تبقى منهم
وأنا لم أبحثْ عن امرأةٍ أخرى
ولا عن طريقٍ جديد
كنتُ أبحثُ فقط
عن الرجلِ الذي فقدتُه
وأنا أحاولُ أن أبقى معكِ
لا تظني أنَّ القسوةَ انتصرت
فأنا ما زلتُ أذكركِ بالخير
وما زلتُ أخبئُ لكِ
دعوةً صامتة
كلما جاء الليل
لكنني تعلمتُ
أنَّ الحبَّ وحدَهُ لا يكفي
إذا لم يحملهُ طرفان
كان يمكنُ أن أبقى
لو أنكِ سمعتِ ارتجافَ صوتي
قبل أن تسمعي كلماتي
لو أنكِ رأيتِ الحزنَ
في عيني
قبل أن تبحثي عن خطئي
لو أنكِ عرفتِ
أنَّ الرجلَ الذي يرحلُ بصمت
قد يكونُ أكثرَ الناسِ ألمًا
فلا تلوميني على الغياب
فأنا لم أخترْهُ
لقد صنعتِهُ بيديكِ
وتركتِ لي
أن أعيشَ به
أو أموتَ فيه
وإن عادَ الزمانُ يومًا
فلن أطلبَ منكِ وعدًا جديدًا
ولا عهودًا كثيرة
سأطلبُ شيئًا واحدًا فقط
أن نحبَّ بعضنا
كما ينبغي للحبِّ أن يكون
بلا خوف
بلا جرح
وبلا قلبٍ يضطرُّ يومًا
أن يتعلمَ الرحيل