حين خرجتِ ...
حين خرجتِ
لم يُغلقِ الباب
هو الذي ظلَّ مفتوحًا
كأنَّهُ ينتظرُ عودتكِ بعد دقائق
كما كنتِ تفعلين دائمًا
حين تنسين كتابًا
أو وشاحًا
أو قبلةً صغيرةً
على جبيني
في اليوم الأول
كنتُ شجاعًا
قلتُ :
إنها سحابة
وكلُّ السحبِ
تعرفُ طريقها إلى المطر
لكنَّ المساءَ
دخلَ وحيدًا
وجلسَ في مكانكِ
ومنذ تلك الليلة
صار للمساءِ
وجهُكِ
أتعلمين ؟
لقد اكتشفتُ بعد رحيلكِ
أنَّ البيوتَ
لا تسكنها الجدران
ولا الأبواب
ولا النوافذ
البيوتُ
يسكنها شخصٌ واحد
فإذا رحل
تحولتِ الغرفُ
إلى حقائبَ قديمة
كنتُ أبتسمُ
حين كنتِ تقولين :
سأبقى معكِ إلى آخر العمر
ولم أكن أعرفُ
أنَّ آخرَ العمرِ
قد يأتي
قبل أن يشيبَ الشعر
بعدكِ ...
تعلمتُ أسماءً جديدةً للحزن
فالحزنُ
ليس دمعةً تسقط
الحزنُ ...
أن أفتحَ هاتفي
لأكتبَ لكِ رسالةً
ثم أتذكرَ
أنَّ الرقمَ
لم يعد يسكنه أحد
الحزنُ ...
أن أسمعَ أغنيةً
كانت تجمعنا
فأخفضَ الصوتَ
لا لأنَّ الأغنيةَ مؤلمة
بل لأنَّ الذكرى
كانت أعلى من الموسيقى
حتى فنجانُ القهوةِ
صار يتصرفُ بغرابة
أشربُ نصفَه صباحًا
وأتركُ النصفَ الآخر
كأنَّه ينتظرُ يدكِ ،
لن تمتدَّ إليه
قالوا لي :
انسَها ، فضحكتُ
وهل يُنسى البحرُ
لأنَّ سفينةً غرقت ؟!
وهل تُطفأ الشمسُ
لأنَّ نافذةً أُغلقت ؟!
أنا لا أشتاقُ إليكِ فقط
أنا أشتاقُ
إلى الرجلِ
الذي كنتُه
وأنتِ هنا
ذلك الرجلِ
الذي كان يضحكُ
من قلبه
ويؤمنُ
أنَّ الغدَ
يولدُ جميلًا
كلَّ صباح
أتعلمين ؟
لقد سامحتُكِ
ليس لأنكِ لم تخطئي
بل لأنني تعبتُ
من حملِ محكمةٍ كاملةٍ
داخل صدري
ومع ذلك
إذا مرَّ اسمُكِ
صدفةً
يرتبكُ الهواء
وترتجفُ أصابعي
كأنَّ قلبي
ما زال يجهلُ
أنكِ غائبة
لن أكرهكِ
فالكراهيةُ
خيطٌ آخر
يربطني بكِ
وأنا
أريدُ أن أتعلمَ
كيف أحبُّكِ
من بعيد
دون أن أؤذيَ نفسي
سيأتي يومٌ
أراكِ فيه
كما يرى المسافرُ
مدينةً قديمةً
أحبَّها
ثم يكملُ الطريق
يبتسمُ لها
يلوحُ بيده
ويمضي
لا لأنَّه نسيها
بل لأنَّه
لم يعد يسكنها
وحين يحدثُ ذلك
سأشكركِ
لأنكِ علمتِني
أنَّ القلبَ
لا يموتُ
حين يفقدُ من يحبُّ
إنَّه فقط
يتعلمُ
كيف ينبضُ
بطريقةٍ أخرى