تخطَّ إلى المحتوى

خلق الزمان وما أظنك تخلق

غير معروف

٤٩ بيت

المتفرقات

خُلِقَ الزمانُ وما أظنك تُخْلَقُ

إذ أنتَ من عُمُرِ البَرِيَّة أسبقُ

حفر الإله بضفتيكَ غدائرًا

تسقيكَ ترياقَ الشباب فتُغدقُ

للشمس في تلك الضفاف مجالسٌ

تأوي إليها الشمس ساعةَ تُشرقُ

تُسقى السلافَ على الضفاف فترتوي

فالخمرُ في تلك الشطوط مُعَتَّقُ

وحصى الشطوط فَدامُ كل زجاجةٍ

تجري بها الأمواج تلك الدُّفَّقُ

ولقد ذكرتُ بشاطئيكَ أحبتي

والبدر في كَبِدِ السماء مُعلَّقُ

والسُّحْبُ تبكي من عظيم شجونها

ودموعها فوق الثرى تترقرقُ

والسُّفْنُ تخطِر في المياهِ تدللًا

تمشي الهُويْنى في العُباب وتمرُقُ

فطَحَتْ بيَ الأشواقُ بعد تَجَلُّدٍ

فغدوتُ في بحر الصبابة أغرقُ

يأيها اليَمُّ الذي مُلقىً بهِ

سر الوجود متى ضفافُكَ تنطقُ

تأبى على مر القرون تزعزعًا

أفأنتَ في جوف الفيافي موثقُ

قد أخضعتْكَ المعجزاتُ لذي العصا

فغدت مياهكَ بالعصا تتفرقُ

بابًا أمام اللائذين بربهم

سدًّا على فرعونَ لا يُتسلقُ

فرفقتَ من بدء الزمان بثلةٍ

ما لي أراكَ اليوم لا تترفقُ

فاخفضْ جَناحكَ ساعةً لمتيَّمٍ

يأوي إليكَ فمن ضفافكَ مأبقُ

يشكو إليكَ الصائداتِ فؤادَهُ

فتَرُدُّهُ الأمواجُ غَضْبى تزعقُ

تُلقي حصاكَ على الشطوط كأنهُ

عِقد بهِ نحر الفلاة مُطَوَّقُ

أرنو إليكَ من الشطوط مُحَدِّقًا

والنَّفْسُ من فرط الصبابة تُحرقُ

وكأنني صَبٌّ يهيم بلُجَّةٍ

هي في مياهكَ دُميةٌ تتأنقُ

أرأيتَ أعجبَ من مياهكَ خِلْقَةً

فالبدءُ جَمْعٌ والختام تفرُّقُ

يا بحرُ هل لي في عُبابكَ زورقٌ

فيقودني صوبَ الشطوط الزورقُ

أم أنني خُلِّدْتُ فيكَ مسافرًا

لَكِنَّ قلبيَ بالشطوط مُعلَّقُ

يأيها الشيخ الوقور أسامعٌ

شكوى عليلٍ بالصُّروف يُمَزَّقُ

أرأيتَ كيف الدهرُ أقلق مضجعي

والدهرُ مني آمنٌ لا يقلقُ

أذكرتَ كأسيَ في الصَّبابة مُترعًا

إذ كان فرعي في الغَواية يورقُ

أرأيتَ كيف النائباتُ تركنني

والقلبُ ساجٍ في الحشا لا يخفقُ

سلني أُجِبْكَ عن الغرام فإنني

حُمِّلْتُ من ثِقلِ الهوى ما يُرهقُ

كيف الحياة على الظما وعلى الطوى

أنعيش في الدنيا ولا نتعشقُ

أو كيف نسلو والخرائد حولنا

لَلموتُ أحرى بالخَلِيِّ وأليَقُ

ما العيش إلا في الغرام وفي الطِّلا

فإذا تولى فالمَنِيَّةُ أخلَقُ

بيني وبينكَ في المساء مجالسٌ

نجواكَ فيها أن ماءكَ يزعقُ

هَبْ لي سُلافكَ في الدُّجى كي أرتوي

أو حمأةً من مسك رملكَ تُفتقُ

فالأرضُ تسقيها السماءُ فترتوي

أمَّا السماءُ فمن مياهكَ تُرزقُ

ولَكَمْ نظمتَ بلازَوَرْدِكَ جوهرًا

تجلو بهِ عنق الثرى وتُزَوِّقُ

زُفت إليك السارياتُ عرائسًا

تُلقى إليكَ بها إليكَ تشوُّقُ

الشيبُ يجري في عُبابكَ رَغوةً

أفأنتَ شيخٌ في البَرِيَّة مُعْرِقُ

تجري المياهُ بشاطئيكَ جداولًا

والموجُ يركض في الخِضَمِّ ويَمرقُ

في الليل يَنفحُ من مياهكَ عنبرٌ

يزهو على المسك الذي يتفتقُ

أُسقيتُ من سَلسال مائكَ دورقًا

ما مثلُهُ بين الدوارق دورقُ

فشرِبْتُهُ وكأنني لن أرتوي

وأكاد من ظمأٍ أَغَصُّ فأشرَقُ

تقضي السنون على السنين فتنقضي

لكنما هيهاتَ خَلْقُكَ يَخْلُقُ

بين الفَناء وبين مائكَ هدنةٌ

أفأنتَ من حُكم القضاء ستأبقُ

حَدِّثْ عن القوم الذين توهموا

أن البناء على شطوطكَ رونقُ

بَنُوِا الخرابَ على الشطوط حداثةً

ولربما بانٍ يُسيء ويمحقُ

بخلوا عليكم بالفُتات تَكَبُّرًا

ورَمَوْا إليكم بالهوان فأغدقوا

وتَحكَّموا في رزق كل بهيمةٍ

وكأنهم ربٌ يقوت ويرزقُ

والنيل يحسر في المدائن غاضبًا

من فرط ما يلقى فلا يتدفقُ

سكتوا على بِئْسِ الهوانِ فلطَّخوا

للحق فيها رايةً لا تخفقُ

يا مهدَ كل حضارةٍ كيف الخلاصُ

ومن ديونكِ للورى ما يُرهقُ