يَا دَارَ فَاطِمَةٍ سَلَامُ الحَالِ
عَزَّيْتُ فِيكِ تَأَبُّدَ الأَطْلَالِ
وَتَحِيَّةٌ لَوْلَا الدُّمُوعُ تُرِيبُهَا
كَانَتْ كَشُكْرَانٍ عَلَى الأَفْضَالِ
أَغْفُو فَأَحْسَبُ أَنَّ عُمْرِيَ سَاعَةٌ
وَلِقَاؤُنَا فِيكِ كَلَمْحِ خَيَالِ
وَأَمُرُّ بَيْنَ المَدْخَلَيْنِ تَغَيَّرَتْ
أَحْجَارُهُ بِتَغَيُّرِ الأَحْوَالِ
لَوْ يَنْطِقُ الحَجَرُ الأَصَمُّ فَصَرْخَةٌ
تَبْقَى مُؤَرَّخَةً مَدَى الأَجْيَالِ
أَيْنَ الأَخِلَّاءُ الَّذِينَ هُمُ هُمُ
كَانُوا وَفِيهِمْ جِدَّتِي وَكَمَالِي
وَلَقَدْ مَضَى زَمَنٌ عَلَيَّ فَلَمْ أَكُنْ
فَرْداً وَكُنْتُ إِزَاهُ غَيْرَ مُبَالِ
عِنْدِي لِذِي الأَلْبَابِ مِنْهُ رِسَالَةٌ
هَمْساً أُحَمِّلُهَا بَرِيدَ لَيَالِ
مَا كَانَ زَائِرُنَا لِيَلْثُمَ تُرْبَتِي
شُكْراً وَيَأْتِي الصُّبْحَ لِلتَّجْوَالِ
يَرْمِي الجِدَارَ بِنَظْرَةٍ وَكَأَنَّمَا
أُخْرَى تَرَاهُ لَدَى الجِدَارِ العَالِي
هَا إِنَّهَا فِي العُمْقِ صَرْخَةُ وَاجِدٍ
ضَرَّ النَّوَى وَشَمَاتَةَ العُذَّالِ
بِنْتُمْ وَهَلْ كَانَ الفِرَاقُ سِوَى يَدٍ
لِلدَّهْرِ يُرْسِلُهَا بِغَيْرِ جِدَالِ
وَلَقَدْ رَمَانِي مُبْصِراً وَمُنَصَّلًا
وَرَمَيْتُهُ أَعْمَى وَدُونَ نِصَالِ
ثُمَّ اكْتَفَى وَلَهاً وَأَصْغَى حِينَمَا
رَكِبَ النَّهَارُ مَطِيَّةَ التَّرْحَالِ
وَرَكِبْتُ أُخْرَى لِلْقُفُولِ وَإِنَّهَا
لَتَكُرُّ كَرَّ مُحَاذِرٍ وَجَّالِ
جُزْنَا مَغَانٍ قَدْ تَآلَفَ ظِلُّهَا
جَمَعَتْ مِنَ الأَشْجَارِ كُلَّ مِثَالِ
وَمِنَ الطُّيُورِ تَخَالَفَتْ أَصْوَاتُهَا
فَكَأَنَّهَا شِيَعٌ تَخَيَّرَ وَالِ
وَأَرَاعَهَا شَخْصِي وَبِتُّ خِلَافُهَا
وَتَعَاهَدَتْ أَحْلَافُهَا لِقِتَالِي
وَتُرِيكَ مِنْهَا عَنْدَلِيباً طَائِفاً
مِثْلَ النَّذِيرِ يَحُثُّ لِلإِرْسَالِ
مُتَنَقِّلاً حَتَّى خَشِيتُ لِحَالِهِ
أَنْ يَلْحَقَنِّي وَاتِرٌ بِنِبَالِ
يَا صَاحِ لَا تَعْدُ عَلَيَّ وَلَا تَكُنْ
عَجِلًا فَإِنَّ الغَدْرَ لِلأَنْذَالِ
تَعْدُو احْتِمَاءً لَوْ عَدَوْتَ تَجَبُّراً
مَا كُنْتَ أَعْدَى مِنْ بَنِي الصَّلْصَالِ
مَا صَارَ يُقْنِعُنِي سِوَى هِجْرَانِهِمْ
قَوْمِي كَمَا قَنَعَ الهَوَى بِوِصَالِ
ضَاعَتْ لَدَى عُصَبٍ لِجَهْلٍ هِمَّتِي
وَغَدَوْتُ هَيْناً فِي حِمَى الجُهَّالِ
لَنْ يَسْمَعُوا إِلَّا رِيَاءَ مُنَافِقٍ
أَوْ مُكْثِرٍ غَصَبَ النُّهَى بِالمَالِ
يَا لَهْفَ نَفْسِي سِيقَ بِي وَلِمَوْضِعٍ
ضَنْكٍ يُجَارِي مَوْضِعَ السَّفَالِ
مَوْلَايَ كَمْ فِي النَّفْسِ مِنْ مَتْرُوكَةٍ
قَهْراً لِشِدَّتِهَا وَلِلإِقْلَالِ
وَيَهُمُّ مُفْتَتِحاً مَغَالِيقَ العُلَى
عَزْمِي وَأَقْعَدَهُ لِفَقْرِ الحَالِ
أَإِلَى الثُّرَيَّا أَقْتَفِي أَثَرَ الأُلَى
وَرَدُوا هَنَاكَ أمِ الثَّرَى أَجْدَى لِي؟
أَبْغِي أُمُوراً لَوْ يُحَدَّدُ رَسْمُهَا
بَعُدَتْ عَلَى بَغْدَادَ بِالأَمْيَالِ
فَاطْلُبْ فَإِمَّا تَسْتَجِيبُ لَكَ المُنَى
كَرْهاً وَإِلَّا فَاعْتَزِلْ بِقِلَالِ
فَحَيَاةُ أَمْجَادٍ عَلَوْا بِرَشَادِهَا
أَوْ لَا فَمَوْتُ الحُرِّ ثَمَّةَ غَالِ
إِنَّ التَّعَاظُمَ فِي الرِّجَالِ عَلَامَةٌ
أَنْ تُوثَقَ الأَقْوَالُ بِالأَفْعَالِ
أَوْفَيْتُ فِي شَطْرِي كَمَا أَوْفَى الَّذِي
دَيْنٌ عَلَيْهِ فَرَاحَ هَانِئَ بَالِ
فَإِذَا أُرِيحُ فَمَا أُرِيحُ مَطَامَحِي
يَرْجُو الجَزَاءَ عَلَى الوَفَاءِ الحَالِي
وَلَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْدَمَا صُمَّتَ لَهَا
أُذُنٌ وَقِيسَ المَرْءُ بِالأَشْكَالِ
دُنْيَا يَكَادُ الحُرُّ مِمَّا قَدْ رَأَى
فِيهَا لَيَعْقِلَ رِجْلَهُ بِحِبَالِ
عَنْ سَعْيِهِ سَمْحاً وَعَنْ أَرْحَامِهِ
وَكَذَاكَ حَتَّى يُوثَقَنْ بِزَوَالِ
فَلأَحْبِسَنَّ النَّفْسَ عَنْ آمَالِهَا
وَلأَقْطَعَنَّ مُقَرَّبَ الآمَالِ
يَا صَاحِ مَا مِنْكَ العَدَاءُ وَلَا بِكُمْ
نُصِرُ العِدَى إِنِّي ضَلِيلُ خِصَالِي
فَلَقَدْ سَكَنْتُمْ غَضَّ أَشْجَارٍ إِذَا
أَعْلَى عِدَاتُكُمْ بِصُمِّ جِبَالِ
أَتَرَى رُؤَايَ وَلَا تُحِسُّ جَمَالَهَا
إِنِّي أُرُوعُ نَافِذَاتِ جَمَالِ
وَالنَّاسُ تُهْدَى بِالنُّجُومِ وَنَاضِرِي
بِالبَرْقِ يُهْدَى الحِينَ فِي أَدْغَالِ
فَأَضَاءَ فِي الشَّرْقِ البَعِيدِ مَعَارِجاً
فِي الغَرْبِ فِي الآفَاقِ بِالإِعْجَالِ
قَصُرَ الوَمِيضُ عَنِ التِفَاتَةِ هَارِبٍ
يَسْعَى بِرِجْلِ خِيفَةِ الأَغْوَالِ
وَتَلَاهُ صَوْتُ الرَّعْدِ يَهْدِرُ صَاخِباً
وَيُشِيعُ مَا فِي السُّحُبِ مِنْ زِلْزَالِ
وَكَأَنَّمَا هَوَتِ الكَوَاكِبُ وَالتَقَتْ
عَرْضاً وَعَادَ صَدَاهَا بِالإِهْطَالِ
وَتَحَرَّكَ المَدَدُ الشَّمَالِي نَحْوَهُ
بِسَحَائِبٍ سُودٍ عَلَى إِمْهَالِ
يُزْجَى دَرَاكاً مُرْهَقاً فَكَأَنَّهُ
يَحْوِي التُّرَابَ مُزَوَّدَ الأَثْقَالِ
وَكَأَنَّمَا جُمِعَ الظَّلَامُ بِأَرْضِنَا
وَدَخَلْتُ قَبْراً وَاسِعاً بِمَجَالِ
وَغَدَا يُفِيضُ عَلَى الجِبَالِ سِهَامَهُ
فَتَذُوبُ فِي المُتَنَزَّلِ المُتَعَالِي
تَحْدُوا الرِّيَاحُ بِهَا فَتَلْحَقُ مُخْتَفٍ
فِي جُحْرِهِ وَتَطُوفُ بَيْنَ الضَّالِ
وَتَعُودُ لِلأَعْلَى تُجَمِّعُ شَمْلَهَا
فَيَرُدُّهَا الإِبْرَاقُ بِالأَحْمَالِ
وَتَصِيخُ لِلأَوْرَاقِ أَنَّةَ مُوجَعٍ
وَأَسِيرُ فِي الأَوْحَالِ فِي أَغْلَالِ
وَتَرَى عَلَى الوَادِي غَضُوباً رَاحِلًا
وَتَرَى بِهِ أَعْجَازَ دَوْحٍ بَالِ
يَسْعَى بِصَوْتٍ فِي البَسِيطِ وَإِنَّهُ
مُتَقَلِّبُ الأَصْوَاتِ فِي الشَّلَّالِ
وَأَتَى السَّحَابُ عَلَى حُمُولَةِ بَطْنِهِ
وَأَهَابَ يُنْذِرُ يَوْمَ صَوْبٍ تَالِ