هو لم يخسرْ شيئاً حينَ أطاعَ نداءَ الحوريّاتِ ؟
لقد غامَرَ حقّاً :
حطَّمَ مركبَهُ ، عَمْداً ، عند صخورِ الشاطيءِ ،
فاضطُرَّ إلى أن يسبحَ
كي يمسكَ جِذعاً أنقَذَهُ من غرقٍ حَتْمٍ ؟
كان غناءُ الحوريّاتِ يهدهدُهُ حتى في الغرقِ الماثلِ ؟
كان سعيداً ؛
أغفى ، ملتَفّاً بالرملِ الدافيءِ
والأصدافِ
وهدهدةِ الحوريّاتِ ؛
ولم يستيقظ إلاّ بعدَ ثلاثِ ليالٍ من حُلُمٍ ؟
في ليلتهِ الأولى
سارَ إلى سفْحٍ وتَمدّدَ في كوخ رُعاةٍ ،
في ليلته الثانيةِ
استَلقى بين زهورِ الخشخاشِ ،
وفي ليلته الثالثةِ
اختارتْه الحوريّاتُ السَّبعُ لِيُمسي الأُضْحِيةَ ؟
البَحّارُ أفاقَ
كما في القَصصِ الأولى ؟
يفرِكُ عينيهِ ، ويشعرُ بالجوعِ وبالعطشِ ؟
الوقتُ ضحىً
والبحرُ الهاديءُ كان يُوَشوشُ ؟ وِشْوِشُ ؟ وِشْوِشُ ؟ وِشْوِشُ
ثمّتَ عينٌ يترقرقُ فيها الماءُ
ويكشفُ عن حصباءَ ملوّنةٍ وحصىً أزرقَ ؛
واللوتُسُ طافٍ
يلمعُ إذْ يتضوّعُ :
هل تقطفُني يا بحّارُ ؟
اقطفْني يا بَحّارُ
اقطفْني أُطعِمْكَ من الجوعِ
اقطفْني !
لم يعُدِ البَحّارُ يرى غيرَ صخورِ جزيرتِهِ
غيرَ السمكِ الميْتِ
وغيرَ طيورٍ متوحشةٍ قد تأكلُهُ يوماً ؟
لكنّ البحّارَ يفكرُ ثانيةً :
أوَلستُ أرى الآنَ المِرآةَ ؟
إذاً وَهْماً كانت سنواتُ الرِّحلةِ ؟
وهماً كان نشيدُ البحر !