هنا البلاغةُ لا تأبه لسحبانِ
هنا حديثي وإفصاحي وتبياني
هنا قريضي على القرطاس أسكبهُ
هنا عذوبة أشعاري وألحاني
هنا المعينُ الذي قد فاض سَلسَلُهُ
على جديبٍ من الأكباد صدْيان
أشفي بهِ كبدَ الأيّام من ظمأٍ
وأستعيد بهِ أسواق ذبيان
رشفتُ من ثغرها رقراقه شِبَعًا
ورحت أروي به صحْراء أسوان
دارٌ هبطْتُ بها عن غير موعدةٍ
هبوط وحيٍ على صدرٍ بفرقان
فيها الحقائق أوهامٌ وأخيلةٌ
كأنّها في الرّؤى أحلامُ يقظان
صحيفةٌ من كتاب الدّهر مغلقةٌ
عنّا وما ظهرت يومًا بإعلان
قرأت فيها أساطيرًا مبعثرةً
غوامضَ الخطّ لم تحفل بعنوان
تترجم الدهر في أولى مراحلهِ
من عهد عادٍ وفرعونٍ وهامان
لم تحتفظ لهم الدّنيا بمأثرةٍ
إلا بقايا طلولٍ بعد أعيان
ما ضرَّ ساكنهَا أن ضمّ بردتهُ
على مساعيه من حورٍ وولدان
ثوى بباديةٍ جرداء قاحلةٍ
فلست تلمح فيها غير كُثبان
لكنها تنبت الأخلاق مخصبةً
تشتار منها الجَنى في غير إبّان
إذا نظرت إلى الأقوام عن كثبٍ
ففي عِشاشٍ وأكواخٍ وأكنان
ما ضاق ذرعُهمُ يومًا بمسكنها
هل ضاق في مؤمنٍ صدرٌ بإيمان
يُدلُّ ساكنُها بالعيش في رغدٍ
إدلالَ كسرى على الدّنيا بإيوان
لم تُلههِ فضَّةٌ بيضاءُ أو ذهبٌ
إذا لهونا ببرّاقٍ ورنّان
يقضي هواجرهُ في رأس شاهقةٍ
لا في مصايف دمياطٍ ولبنان
صحبت دهري وما صاحبت ذا مقةٍ
قد أنكرتْني لدى اللأواء خلاّني
بذلت ودّي لهم صفوًا بلا كدرٍ
فكافأوني بإعراضٍ وهجران
لهم قلوبٌ كوجه اللّيل فاحمةٌ
أعيتْ مذاهبَ عَرّافٍ وكُهّان
تنشقّ عن شررٍ كالقصر ملتهبٍ
كأنّ مصدرها أعماقُ بركان
إلا «أمينة» إن القلب ينشدها
لعلّ فيها فكاك الموثَق العاني
من لي بطلعتها؟ كم بتُّ مرتقبًا
قربًا يزحزح آلامي وأشجاني!