الطينُ آخرُ ما رواهُ الماءُ
وخلاصةُ الأشياءِ لا أشياءُ
سنعودُ للأصلِ القديمِ فتنتشي
من فرطِ سكرةِ صمتِنا الأشلاءُ
بقيامةِ الصلصالِ يمنحُنا الغبارُ
عبورَهُ والعابرونَ ظِماءُ
سنفيقُ من طينِ استعاراتِ الترابِ
ثيابُنا فوق الجلودِ فناءُ
سنفيقُ ننفضُ عن أسى أجسادِنا
المعنى وصوتُ وجودِنا إيماءُ
ننسلُّ من صُلبِ الفجيعةِ خائفينَ
ودوننا الأبوابُ والأعباءُ
سنمرُّ بالأعرافِ أسئلةً قضتْ
والسائلون جوابُهم إعياءُ
ماذا وراءَ البابِ ؟ ظلَّةُ دهشةٍ
من دونها يتأرجحُ الرُّقَباءُ
المرجفونَ الصمتَ طينةُ متعبٍ
طالَ الوقوفُ بهم وجفَّ الماءُ
متصحرونَ بخوفِنا ظمأً طوى
ما للمواجعِ في الوقوفِ رواءُ
في سكّةِ الوجعِ الطويل سنرتمي
عطشًا تطاردُ جرحَهُ الغبراءُ
موتى وأحياءٌ وأبلغُ ما يُرَى
أنَّا هنا في موتِنا أحياءُ
سمراءُ ما شقَّ الفراقُ وإنما
قلبي لصيَّادِ القضاءِ ظباءُ
أشرعتُ أوردتي لدارِ أحبةٍ
لا هدهدٌ يأتي ولا أنباءُ
ما عادَ من سبأٍ يقينٌ صادقٌ
والليلُ فيهِ تغرقُ الأنواءُ
من أين أعرجُ بالرحالِ ليحمدَ
القومُ السُّرى والبارقاتُ ظماءُ ؟
جبلٌ من التاريخِ يصعدُ ثقلَهُ
ظمأً وبينَ يديهِ يجري الماءُ
من يتبعُ الضلِّيلَ في أشواقِهِ
أودتْ بثقلِ ضلوعِهِ الكحلاءُ
فلتبكِ وحدكَ فوقَ صدرِ الريحِ
صاحبُكَ الفراغُ وهذهِ البيداءُ
وضَّاحُ في المرآةِ ظِلُّ مغرَّبٍ
نكثتْ حبالَ وصالِهِ الحسناءُ
أمستْ كؤوسُ الأمسِ تنكرُ ثغرَنا
عافتْ قصيدَ نُواسِها الصهباءُ ؟
لا شارعٌ في الأرضِ يقبلُ همَّنا
والعابرونَ جهاتُهم عمياءُ
سُفُني على بحرِ الرمالِ غريبةٌ
والبِيدُ منّي سحنتي السمراءُ ؟
اليومَ تذهلُ عن ملامحِ وجهها
الصحراءُ تمحو رسمَها الأسماءُ ؟
في الريحِ ناقةُ رحلتي أزليَّةٌ
يجري بنارِ حنينِها العنقاءُ
قد أتعبَ الحادينَ بُعْدُ ديارِهم
حتى تلعثمَ بالرياحِ حُداءُ
إني احتراقُ الجذْعِ وهْوَ مُحمَّلٌ
همَّ الظلالِ وكفُّهُ بتراءُ
لامستُ في قيظِ المجابةِ غيمةً
دوني ودونَ وعودِها اللأواءُ
في شرفةِ الأيامِ تنبتُ وردةٌ
قد ضلَّها عِزَّ الرياحِ إناءُ
في العشقِ قلبُ ممزقٍ بغرامِهِ
مازالَ ينزفُ والغرامُ قضاءُ
مَنْ يرجعُ الأمطارَ في أيامِنا ؟
رَحَلَ الحمامُ وهاجرَ الشعراءُ
وأنا حريقُ الروحِ في أوجاعِها
جسدي رمادٌ والرياحُ رداءُ
أتأملُ الدنيا بدمعِ فجيعتي
قدرٌ عليَّ تتيهُ بي الأرزاءُ
كلُّ الذين أتوا إلى الدنيا مضوا
لم يبقَ إلا الرسمُ والأسماءُ
شكَّلتُ من عمري بلادَ أحبتي
وأنا هنا المنفيُّ والغرباءُ
ما نحنُ ؟ غيرُ الحزنِ ! بعضُ حكايةٍ
الطينُ شكّلَنا ونحنُ الماءُ
منذُ انغرسنا في عروقِ الأرضِ
تحملُني دلاءُ الماءِ وهْي ظِمَاءُ
كم ومضةٍ فصلتُها فلبستُها
وبداخلي وجعٌ طغى وشقاءُ
إني ابتكارُ الدمعِ في الجذعِ الذي
صارَ اكتمالَ النّايِ وهْوَ بكاءُ
وأنا انتباهُ الدمعِ في تلويحةٍ
لمسافرٍ فُجِعتْ بهِ الأنحاءُ
نبتتْ على وجعي الورودُ حرائقًا
فختامُ قلبي الوردةُ السوداءُ
.. وأنا حرائقُ آدمَ المنفيَّ بينَ
رمادِهِ والذارياتُ عزاءُ