هَلْ غَادَرَ الطُّوفَانُ نَهْرَ تَرَدُّمِي؟
أَمْ هَلْ حَطَمْتُ الرَّعْدَ بَعْدَ تَجَهُّمِ؟
عَفَتِ الدِّيَارُ كَأَنَّمَا كُتِبَتْ بِهَا
سِيَرُ النُّجُومِ عَلَى صَفِيحٍ مُظْلِمِ
يَا دَارَ يَاسَمِينِي الَّتِي فِي مُهْجَتِي
جُودِي بِصَعْقَةِ عَارِفٍ مُتَفَهِّمِ
شَاخَتْ عِظَامُ الرِّيحِ فِي عَرَصَاتِهَا
وَنَبَتْ نُصُولُ الرَّمْلِ فِي الحَيْزُومِ
أَقْوَتْ بِصَرْخَةِ بَاهِتٍ لَمْ يَنْكَسِرْ
وَبَقِيَّةُ الفَلَوَاتِ نَبْضُ جَهَنَّمِ
لَمْ يَبْقَ مِنْ أَثَرِ الخِيَامِ سِوَى لَظَىً
يَقْتَاتُ مِنْ حَجَرِ الفُؤَادِ المُغْرَمِ
وَقَفَتْ بِيَ الأَقْدَارُ وَهْيَ كَسِيرَةٌ
تَرْنُو لِعَزْمٍ فِي يَدَيَّ مُحَطَّمِ
سَاءَلْتُ أَرْوَاحَ الصُّخُورِ عَنِ الأُلَى
رَحَلُوا بِعِزٍّ فِي الغَمَامِ الأَيْهَمِ
فَأَجَابَنِي صَدَأُ المَكَانِ بِأَنَّهُمْ
نَحَتُوا المَدَى وَاسْتَوْطَنُوا فِي مِيسَمِ
بُعْدٌ كَبُعْدِ الضَّوْءِ عَنْ حَدَقِ العَمَى
وَقُرْبٌ كَقُرْبِ المَوْتِ عِنْدَ مَحْرَمِ
أَنَا مَنْ تَرَكْتُ الرَّمْلَ يَشْرَبُ هَيْبَتِي
حَتَّى تَفَطَّرَ بِالنُّبُوعِ الأَعْظَمِ
إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّنِي
قَيَّدْتُ ظِلَّ الرَّاحِلِينَ بِأَسْجُمِي
لَا تَحْسَبِي الأَمْرَ أَنَّ الرَّحِيلَ مَنِيَّةٌ
بَلْ ذَبْحُ وَقْتٍ فِي شِغَافِ المَعْصَمِ
قَدْ جَفَّ مَاءُ الوَجْدِ إِلَّا دَفْقَةً
تَغْلِي بِأَوْرِدَةِ الحَدِيدِ المُبْهَمِ
زُمَّتْ رِكَابُكِ مِنْ نَسِيجِ خَوَاطِرِي
فَأَنَّى سَرَتْ فَهِيَ الطَّرِيقُ بِمَعْلَمِي
أَمْشِي عَلَى جَسَدِ المَجَازِ بِنَاقَةٍ
خُلِقَتْ مِنَ الزِّلْزَالِ لَا مِنْ مِنْسَمِ
حَرْفِيَّةُ الأَعْضَاءِ كَالمَوْتِ الَّذِي
يَمْشِي الهُوَيْنَا فِي عُرُوقِ المُعْدَمِ
تَطِسُ الزَّمَانَ بِخُفِّهَا فَتُعِيدُهُ
صِفْراً مِنَ الأَيَّامِ بَعْدَ مَقْدِمِ
كَأَنَّهَا شَهَقَتْ بِنَارِ غَرِيزَةٍ
فَطَوَتْ مَفَاوِزَ عَالَمٍ مُتَهَدِّمِ
عَيْنٌ كَمِشْكَاةِ الجَحِيمِ إِذَا بَدَتْ
كَشَفَتْ عَمَايَةَ كُلِّ لَيْلٍ مَدْحَمِ
وَإِذَا تَنَفَّسَتِ الفَلَاةَ تَصَاغَرَتْ
عُظْمُ الجِبَالِ لِفِعْلِهَا المُتَجَسِّمِ
سَوْدَاءُ كَالقَدَرِ المُحَتَّمِ سَيْرُهَا
بَيْضَاءُ فِعْلٍ فِي مَقَامِ الأَكْرَمِ
مَجْدُولَةُ الأَصْلَابِ تَحْسَبُ رَكْضَهَا
بَرْقاً يُسَافِرُ فِي فَضَاءِ الفَمِّ
تَذَرُ الإِكَامَ وَقَدْ تَسَاوَتْ بِالثَّرَى
دَقّاً كَدَقِّ الحُزْنِ صَدْرَ اليُتَّمِ
بِيضٌ مَحَازِمُهَا، وَفِي القَوَائِمِ رِعْدَةٌ
مِمَّا نَوَتْ مِنْ سَيْرِهَا المُتَقَدِّمِ
لَا تَعْرِفُ الإِعْيَاءَ حِينَ تَهُزُّهَا
نَفَسِي، وَلَا تَخْبُو لِوَهْجِ الأَنْجُمِ
تَسْرِي وَتَحْتَ خُفَافِهَا دَمُ لَيْلَةٍ
طُعِنَتْ بِسَيْفِ صَبَاحِنَا المُتَبَسِّمِ
تَقْتَاتُ صَبْرَ بِيدِ فِي مَلَكُوتِهَا
وَتَرُدُّ كَيْدَ مَحْلِ عَنِّي بِالدَّمِ
سَبَقَتْ جَنَاحَ الرِّيحِ حَتَّى خُيِّلَتْ
مَلَكاً يُرَفْرِفُ فِي بَرَاحِ العَنْدَمِ
هِيَ رِحْلَةُ مَعْنَى إِذَا ضَاقَ مَدَى
وَهْيَ السَّفِينَةُ فِي عُبَابِ الحَيْزُمِ
وَلَقَدْ دَخَلْتُ الخَوْفَ حَتَّى هَابَنِي
وَتَرَكْتُ عِزَّ مَوْتِ فِيمَنْ يَحْتَمِي
نَزَلَتْ رِمَاحِي فِي نُحُورِ كُمَاتِهِمْ
مِثْلَ القَضَاءِ إِذَا رَمَى بِالمُجْرِمِ
وَالخَيْلُ تَسْبَحُ فِي النَّجِيعِ كَأَنَّهَا
سُفُنٌ تَمْخُرُ فِي جَحِيمٍ مُضْرَمِ
دَعَوْا أَسَدَ العَرَبِ وَالرِّمَاحُ كَأَنَّهَا
جُوعُ الذِّئَابِ إِذَا تَعَشَّتْ مِنْ دَمِي
فَجَعَلْتُ مِْن جَسَدِ الحِصَانِ جَزِيرَةً
وَسْطَ السُّيُوفِ وَبَحْرِهَا المُتَلَطِّمِ
وَطَعَنْتُ طَعْنَةَ ثَائِرٍ مُتَفَرِّدٍ
شَقَّتْ ضُلُوعَ العَرْشِ لَا صَدْرَ الكَمِي
لَمَّا رَأَيْتُ النَّبْضَ يَخْبُو فِي الوَغَى
صَيَّرْتُ لَحْمِي دِرْعَ كُلِّ مُصَمِّمِ
أَنَا لُغَةُ السَّيْفِ الَّتِي لَا تُنْحَنَى
وَأَنَا بَيَانُ الرُّمْحِ حِينَ يُجَذِّمِ
هَتَكْتُ أَسْتَارَ مَنَايَا بِالقَنَا
حَتَّى بَدَتْ لِيَ عُرْيَ مَوْتٍ مُعْجَمِ
وَكَأَنَّ رُؤُوسَ القَوْمِ تَحْتَ صَوَارِمِي
ثَمَرٌ تَسَاقَطَ فِي خَرِيفِ مَأْثَمِ
قَدْ جِئْتُهُمْ وَالشَّمْسُ تَرْسُفُ فِي الدَّجَى
فَتَلَعْتُ نُوراً مِنْ حَدِيدٍ مُعْلَمِ
يَتَدَافَعُونَ كَمَوْجِ بَحْرٍ هَائِجٍ
فَصَدَدْتُهُمْ بِفُؤَادِ صَخْرٍ صَيْلَمِ
كُلُّ اِمْرِئٍ نَذَرَ الفِرَارَ جَعَلْتُهُ
خَبَراً لِكَانَ وَفِي حَوَاشِي المُعْجَمِ
طَعْنِي ابْتِكَارٌ لَمْ تَنَلْهُ أَسِنَّةٌ
وَضَرْبِي فُنُونٌ فِي رِقَابِ، تَعَلَّمِي!
وَإِذَا السُّيُوفُ تَكَلَّمَتْ فِي حَوْمَةٍ
كُنْتُ الخَطِيبَ بِصَمْتِ مَوْتٍ أَبْكَمِ
أَسْقَيْتُهُمْ كَأْسَ مَنِيَّةِ صِرْفَةً
مِنْ كَفِّ مَوْتٍ فِي مَذَامِقِ فَيْلَمِ
يَا نَفْحَةَ السَّمْسَقِ، مَنَايَا دِيدَنِي
وَالعِزُّ أَنْ أَحْيَا بِثَغْرٍ مُلْثَمِ
بِالدَّمِ أَكْتُبُ مَا عَجَزْتُ عَنِ الهَوَى
وَبِالجَمَاجِمِ أَبْنِي مَجْدَ المُلْهَمِ
وَلَقَدْ شَفَى نَفْسِي وَأَبْرَأَ عِلَّتِي
نَقْعُ الخُيُولِ وَصَوْتُ مَوْتٍ هَمْهَمِي
تَرَكْتُ كُلَّ مُدَجَّجٍ فِي مَعْرَكٍ
خَشَباً يُسَاقُ لِنَارِ ذُلٍّ مُضْرَمِ
تَأْوِي السِّبَاعُ إِلَى فَرِيصَةِ نَصْلِنَا
فَتَجِدُ طَعَاماً مِنْ زَعِيمٍ صِلْخِمِ
خَاضَتْ خُيُولِي فِي رُؤُوسِ كَأَنَّهَا
تَجْنِي رَيَاحِينَ بِحَوَافِرِ أَدْهَمِ
شَطَرْتُ لَيْلَ الحَرْبِ شَطْرَ عَزِيمَةٍ
فَانْجَابَ عَنْ فَجْرٍ عَظِيمِ مَرْسَمِ
أَنَا مَنْ تُسَمِّيهِ الصَّوَاعِقُ خِلَّهَا
وَأَنَا الَّذِي أَمْلَى القَوَافِي بِالدَّمِ
لَوْ يَعْلَمُ الرُّمْحُ المُهَزُّ بِيَدِي
مَنْ كُنْتُ، صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَتَحَطَّمِ
لَا تُنْكِرِي صِبْغَ الدِّمَاءِ بِمِغْفَرِي
فَالْوَرْدُ يَنْبُتُ فِي التُّرَابِ الأَقْتَمِ
عِزِّي سَمَا حَتَّى تَقَاصَرَ دُونَهُ
نَجْمُ السَّمَاءِ وَكُلُّ بَرْقٍ مُرْجِمِ
أَنَا فَرِيدُ وَلَيْسَ بَعْدِي آخَرٌ
يَتَأُ مَنِيَّةَ بِالنِّعَالِ وَيَسْلَمِ
صَبَّرْتُ نَفْسِي فِي مَكَارِهِ حِقْبَةً
حَتَّى اسْتَغَاثَ الصَّبْرُ: "وَيْكِ تَرَحَّمِي"
فَفَتَحْتُ لِلْأَهْوَالِ بَاباً مُوصَداً
وَدَخَلْتُ وَحْدِي فِي مَكَانِ الأَشْأَمِ
لَا تَحْسَبِي الأَسْوَدَ عَبْداً لِلخَنَى
فَاللَّيْلُ رَبُّ بَرْقٍ، إِنْ لَمْ تَعْلَمِي
صَيَّرْتُ عِلْمِي بِالرِّمَاحِ فِرَاسَةً
تَقْرَأُ الغُيُوبَ قُبَيْلَ أَنْ تَتَجَسَّمِ
أَنَا آخِرُ العُظَمَاءِ فِي زَمَنِ رَدَى
أَنَا أَوَّلُ الفُصَحَاءِ فِي المُتَلَعْثَمِ
أَنَا لَسْتُ مِمَّنْ يَرْكَبُونَ سَرَابَهُمْ
أَنَا مَنْ يَسُوقُ بَحْرَ سَوْقَ الأَنْعَمِ
لَا يَنْحَنِي رَأْسِي لِغَيْرِ خَالِقِي
أَمَّا الوَرَى، فَهُمْ تُرَابُ مَنَاسِمِي
أَنَا مَنْ مَزَجْتُ رِيحَ فِي أَعْصَابِهِ
فَغَدَوْتُ إِعْصَاراً بِلوْنِ العَنْدَمِ
أَنَا أَبُو العِزِّ، وَالسَّمَاءُ قَصِيدَتِي
وَالأَرْضُ طِرْسِي، وَالمِدَادُ دَمُ الكَمِي