عُجْ بالرَّكائبِ في دَيْمومةِ الأبَدِ
وانْظُرْ هَباءً كَنَبْضِ الرُّوحِ في الجَسَدِ
يا دارَ "مَيَّةَ" سُقياً؛ هلْ تَرينَ فَمي؟
جَفَّتْ بَهاريزُهُ مِنْ غُصَّةِ الكَمَدِ
أَقْوَتْ، فَلَمْ يَبْقَ إلا "نَقْرُ" خاطِرَةٍ
مِثلَ الوُسومِ على صُمِّ الصَّفا الصَّخِدِ
تَمُرُّ ريحُ الصَّبا فيها مُعَرْبِدَةً
كَأنَّها نَفَثاتُ "الجِنِّ" في العُقَدِ
وَقَفْتُ فيها، فصارَ الصَّمْتُ زَلزَلَةً
تَقتاتُ صَدري وتَجتاحُ المَدى بِيَدي
ساءَلْتُها: أينَ "لُبَدٌ"؟ فاستَشاطَ صَدىً
"بادتْ عُصورٌ، وهذا الطَّودُ لم يَبُدِ"
كأنَّ آثارَها بَينَ النَّقا كُتُبٌ
خُطَّت بِنَصْلِ الرَّدى في صَفحَةِ الصَّمَدِ
مرَّ الزَّمانُ عليها، وهوَ ذو سَغَبٍ
فآبَ يَمضَغُ جِيدَ الرِّيحِ والبرَدِ
فَدَعْ بَقايا رُسومٍ لا حَياةَ بِها
وانْضُ المُهَمَّ صُدورَ "القُتْدِ" والجَدَدِ
على "عُذافِرَةٍ" كَالطَّودِ غارِزَةٍ
في لُجَّةِ البيدِ، لا تَخشى مِنَ الفَنَدِ
كَأنَّها صَرْخَةٌ في الجَوِّ صاعِدَةٌ
أو نَيْزكٌ حَطَّ بَينَ الخوفِ والرَّصَدِ
تَخالُها والقِفارُ الجُردُ تَأكُلُها
نَصلاً صَقِيلاً بِيُمْنى "حارِثِ" النَّجُدِ
يَشُقُّ مَنْسِمُها لَيْلَ الظُّنونِ كَما
يَشُقُّ "فَجرٌ" حَشا الظَّلماءِ بِالعَمَدِ
كأنَّ جَوْجُوَها سَدٌّ بِمَنظَرَةٍ
يُرغي ويُزْبِدُ مِثلَ "المارِدِ" الوَحِدِ
إذا انْبَرَتْ في طَريقِ الرِّيحِ خِلْتَ لَها
زَفيراً يَصْهَرُ حَرَّ "الصَّرْصَرِ" الجَمَدِ
تَغشى الهَجيرَ، كأنَّ "الثَّورَ" في فَلَةٍ
أذْكَى لَهُ الخوفُ عَيْناً غَيرَ ذاتِ سُدِ
يُراوِغُ الموتَ في "أنيابِ" سارِيَةٍ
ويَطْعنُ الشَّمسَ بَينَ الرَّوْقِ واللَّبَدِ
كَأنَّ قَرْنَيْهِ بَرقٌ شُقَّ في سَحَبٍ
أو مِخْرَزانِ يُذِيبانِ الضَّنا بِلَدِ
بَاتَ يُناجي نُجومَ الدَّجنِ مُنفرِداً
مِثْلَ السَّليبِ الذي يُبْلي بَلا الصَّفَدِ
حتى إذا طَلَعَ "الكلَّابُ" وانْفَلَقَتْ
عَنْهُ المَنايا بِخَيلٍ جُمَّعِ العَدَدِ
أجْرَى نَواجِذَهُ في صَدْرِ قاصِيةٍ
فَخَرَّتْ صَريعاً كمِثلِ "الجِذْعِ" في المَسَدِ
يَرمي الرُّؤوسَ كأنَّ الرَّوقَ مِقْصَلَةٌ
تُديرُ لِلحَتفِ كأساً غيرَ مَقْتَصِدِ
ولَّى وما وَلَّتِ الأقدارُ عَنْ دَمِهِ
بَلْ صاغَ مِنْ مَوْتِهِ فَخْراً لِمَنْ يَفِدِ
أُنبئتُ أنَّ "أبا قابوسَ" في حَرَقٍ
كالرَّعْدِ يَهْدِرُ فوقَ السَّهلِ والسَّنَدِ
تَوقَّفِ الدَّهرُ! إنَّ الَّليْثَ في غَضَبٍ
يَكادُ يَطْحنُ صُمَّ الصَّخْرِ بالمَسَدِ
لا تَقذِفَنّي بِبَحْرٍ لا قَرارَ لَهُ
فالموجُ يَبْلعُ حتَّى شِقَّةَ السُّبَدِ
أتيتُ رُكْنكَ عانٍ، والوُشاةُ هُمُ
عَقارِبُ الرَّملِ، بَثُّوا السَّمَّ في الشُّهَدِ
هُمُ الذينَ أذاقوا القَوْلَ غُرْبَتَهُ
ولبَّسوا الحَقَّ ثَوْبَ الزُّورِ والنَّكدِ
فإنْ عَطَفْتَ؛ فغَيْثٌ طابَ مَنْبَتُهُ
وإنْ بَطَشْتَ؛ فموتٌ غَيرُ مُفْتَقِدِ
أنتَ السَّحابُ الذي يُحْيي مَواتَ ثَرىً
وأنتَ صاعِقَةٌ تَهوي على الفَنَدِ
ما "الفُراتُ" إذا غاضَتْ مَنابِعُهُ؟
وما "سُليمانُ" والآفاقُ في رَصَدِ؟
أنتَ المَلاذُ الذي لا خَلْفَ مَوْقِفِهِ
إلا السُّقوطُ بِبِئرِ الهُونِ والأبَدِ
أعطيتَ جُوداً بَذَّ "الخالِدينَ" حِجىً
كأنَّ كَفَّكَ نَهْرٌ غَيرُ مُنْجَرِدِ
مائةٌ مِنَ "الإبلِ" المِعْكاءِ تُسْنِدُها
كأنَّها قِطَعُ الأجبالِ في البَلَدِ
بِيضٌ وغُرٌّ وحُمْرٌ في نَواظِرِها
حُسنُ "المَهاةِ" وصَبْرُ الفاتِكِ الجَلِدِ
تَمشي الهُوَيْنا كأنَّ "الرَّيْطَ" يَسحَبُها
بَرْدُ الضُّحى في مَهَبِّ الخُرَّدِ الرُّوَدِ
تلكَ المَواهِبُ لا تُعطى لِذي نَزَقٍ
بَلْ لِلأبيِّ الذي يَرْقى على العَمَدِ
يا مَنْ يُحاوِلُ نَيْلَ "المجدِ" في سَفَهٍ
دُونَ النُّعيمانِ؛ قد أذْكَيْتَ نارَ رَدِ
هذا ثَنائي كَنَسْجِ "التِّبْرِ" أصْنَعُهُ
لا "بُرْدَ" يَشْبَهُهُ في حِيْرةِ الجُدُدِ
صاغَتْهُ لُسْنٌ بَلِيغاتٌ، مَراكِزُها
في ذِرْوَةِ الفِكْرِ، لا في هِمَّةِ الجَسَدِ
أنا الذي زَرَعَ الأبياتَ "كَوْكَبَةً"
تُضيءُ لِلعُرْبِ نَهجاً بَيِّنَ الرَّشَدِ
صَوَّرتُ ما لَمْ يَصِفْهُ "النابِغيُّ" فُتىً
وحُكْتُ لِلخُلْدِ ثَوْباً غَيرَ مُنْفَصِدِ
زَلزلتُ عَرشَ القوافي، فاستَكانَ لَها
نَظمُ الفُحولِ، وألقتْ طاعةَ السَّندِ
في كلِّ بيتٍ حريقٌ لا خُمودَ لَهُ
وفي المَعاني بُروقٌ تَخْطَفُ السَّمَدِ
لا يَعْرفُ "السِّرَّ" إلا مَنْ تَبَحَّرَ في
مَعاجمِ "الضَّادِ" بَيْنَ الصَّعْبِ والوَلَدِ
قَمَّشْتُها مِنْ رَحِيقِ الغَيْبِ مُعجِزةً
تَبقى إذا بادَ كُلُّ الخَلْقِ في الأبَدِ
يا مَلِكَ "الحِيرَةِ" العُظمى؛ إليكَ سَرى
هَذا القَرِيضُ كَحَبْلِ الوَصْلِ والمَدَدِ
إنْ كانَ غَيْري قدْ غَنَّى بِفاتِنَةٍ
فإني صُغْتُ "وُجوداً" غَيرَ ذي أودِ
هاكَ القَصيدَ "انفجاراً" في مَسامِعِنا
تَعنو لَهُ صُمُّ آذانِ الوَرى الشُّهُدِ
وآخِرُ القولِ: مَجدٌ أنتَ سَيِّدُهُ
وشاعِرٌ صاغَ رُوحَ "الكَوْنِ" في بَدَدِ!