هي النفسُ فاسبرْ غورها واقدَ الفكْرِ
وإلا فذرها غيرَ مسبورة الغورِ
فما البحرُ لُجِّيّاً تلاطمَ موجُهُ
إذا قِيستِ النفس العميقة بالبحر
ومن فوقه سُحْبٌ تكاد تناول ال
بنانُ إذا امتدّت إليها على قَدْر
بأغمضَ منها حين يُظلم ليلها
وشتّان بين الطَّرْف يُبصر والفكر
جلوتَ لنا منها الذي كان مبهمًا
كما قد جلا ذاك الدجا مطلعَ الفجر
وما كنت قد أُنبئتها غيرَ أنها
تضيء إذا ما راضها المرء بالخُبْر
وكم سادرٍ لم يدرِ أن طريقها
إذا رامه وعرٌ يزيد على الوعر
فجاء حديثًا كل ما فيه كلفةٌ
يسمّونه شعرًا وما هو بالشعر
وما الشعرُ تقطيعٌ يؤلَّف بينه
ولكنه ما جاش من مُضمَر الصدر
ومن كانتِ الدنيا العريضة سِفره
وناهيك بالدنيا العريضة من سِفر
حقيقٌ بأن يدري سرائر نفسه
وأسرارها من حيث يدري ولا يدري
أليس عجيبًا أن تُجسِّد روحَها
على صفحة القرطاس سطرًا إلى سطر
أليس عجيبًا أن تُصوِّرَ ما الجوى
عليه، وإن كان الجوى واقدَ الجمر
يرونكَ هل يدرون ما أنت بينهم
رويدك حتى يستفيقوا على أمر
وكيف يرون النور أعشى عقولهم
وكيف يرون الدرَّ في صدف الدرّ
فما الشرقُ يدري ذلك العقل بينه
ولا مصرُ تدري ويحَ مصرك من مصر!
ولو عرفوه ما مداه - ولا هوى -
إذن قدَّروه بينهم وافيَ القَدْر
تُنقّب عن سرِّ الحياة بنظرةٍ
ومن دونه الأستار سترًا على ستر
تُكشّفها حتى تجيئك برزةً
كما برزت من خِدرها بيضةُ الخِدر
فتُفشي لك السرَّ الذي أنت هائمٌ
به والورى قد نام عن ذلك السرّ
وهل هي إلا كيف شاءت خريدةٌ
لعوبٌ تُميت السرّ بالدَلِّ والهجر
فويحك خَبِّرْني، وما أنت عاجزٌ
وإني لَمجنونٌ بغادتك البِكر
أليس لها إلا الهوى لا تشوبهُ
شوائبُ مِن مَنٍّ عليها ومن كِبْر
أليس لها إلا الرضا بالذي ترى
وإن كان أحيانًا يمتُّ إلى الجَوْر
وهل فرَّقَت ما بين عدلٍ وظالمٍ
وبين حصيفٍ في هواها ومُغتَرّ
وبين مُسيئ الرأي فيها ومُعجَبٍ
وبين عَبوس الوجه فيها ومُفتَرّ
وهل فرّقت ما بين ليثٍ وهرَّةٍ
وهل فرّقت بين الأناسيِّ والذَرِّ
ألم يلبسوها أجمعين وما همُ
بقاضين إلا كيف شاءت مدى العُمْر
وهل ذاك إلا سحرها غيرَ أنني
أرى منك ولاّجًا على ذلك السحر
فغنّيته شعرًا فما زال جاهلٌ
يراه غريبًا كيف لا؟ وهو لا يدري
فيُغري بتلفيق الذين تشاعروا
وإن لم يكن في طيِّ ذلك ما يُغري
أولئك دجّالون لن يُفلحوا غدًا
وهذا له من جهله واضحُ العذر