لم أَعُد أَذكُرُ..
مَرَّ يَومانِ..
يَومانِ أَو أكثَرُ..
مَرّ شَهرانِ كالبَرقِ..
بل أَشهُرُ..
مَرّ حَولانِ..
عَقدانِ..
عُمرٌ مَضى..
لا بلادي بلادٌ
ولا مَهجَرُ..
لا أَنا شالُ لِصٍّ..
ولا مِئزرُ..
لا كِتابي صديقٌ
ولا الدَّفترُ..
دَفترُ الدَّينِ -مِن كُلِّ أَشعارِيَ- الأَشعَرُ الأَشهَرُ
فهو في كُلِّ يومينِ مَن يُنشَرُ
إيهِ يا عَبقَرُ..
ما لِكأسِ امرئِ القَيسِ لا تُسكِرُ
وهي مِن كَرمِ أَعصابِهِ تُعصَرُ!
كيف بعدَ اشتعالاتِ ثاراتِهِ
صار لِلتّافِهِ الحَشدُ والمِنبرُ
حين تحيا على ظَهرِ دبّابةٍ
يُصبحُ الشّعرُ ما قالتِ العَسكَرُ
إيهِ يا مُدبِرُ..
أَقفِلِ القَوسَ..
واصعَد بِما تُؤمَرُ..
جاء ما كان بالبالِ لا يَخطُرُ
إنه البَرقُ والرَّعدُ
والعارِضُ القاصِمُ الظّهرِ
واللَّيلُ، والصَّرصَرُ..
والأسَى الأغزَرُ..
إنها تُمطِرُ الآنَ مِن قلبِها..
إنها تُمطِرُ..
السّماواتُ بِالأَرضِ مُصطَكّةٌ
والمَدى أَحمَرُ..
والبيوتُ العتيقاتُ بَردانةٌ
طِينُها يَقطُرُ..
والرصيفُ المُؤدِّي إلى نَفسِهِ
نَفسَهُ يَعبُرُ..
والرّمادُ الرّبيعيُّ قارورةٌ
في فمي تُكسَرُ..
حيثُ لا يُزهِرُ الماءُ..
أَو يُثمِرُ..
حيثُ لا المِلحُ مِلحٌ
ولا السُّكَّرُ..
ما الذي أُخبِرُ؟!
ثَمَّ ظِلٌّ على البابِ لا عِلمَ لي
بالذي يُضمِرُ..
ثَمَّ مَن يُغلِقُ البابَ..
مَن يَصفِرُ..
ثَمَّ (طَيرٌ) على جَبْهَتِي يَنقرُ..
ثَمّ ما يَصعَدُ الآنَ..
أَو يُبحِرُ..
وهو ما كُنتُ أَرجُوهُ..
أَو أَحذَرُ..
لم أَعُد أَذكُرُ..
فَجأةً
أَسفَرَ الناسُ
واستَنفَرُوا..
كُلُّهم.. رغم أَشغالِهِم "نَوَّرُوا"
- الرّفاقُ الذين امَّحَى ذِكرُهُم
وانقَضَت أَعصُرُ..
- الغريبُ الذي كان بي سامِعًا..
- والقَريبُ الذي كان لا يُبصِرُ
- والبلادُ التي لم تَكن تَظهَرُ
البلادُ التي كنتُ أَشتاقُها
وهي بي تَمكُرُ..
البلادُ التي كنتُ أَستَنصِرُ
البلادُ -الرّغِيفَينِ- تَستَكثِرُ
كُلُّهُم حُضَّرُ..
غيرَ أني أَراهُم وأَستَفسِرُ:
قَبرُ مَن يُحفَرُ؟!
إنني الآنَ بالجُوعِ لا أَشعُرُ..
لم أَمُت بَعدُ..
حُزني على حالِهِ
والأَسى يَكبرُ..
كنت ما زلتُ بالموتِ أَستَهتِرُ
كنت أَدنُو قليلًا..
ويَستأخِرُ
لم أَمُت بَعدُ..
فالمَوتُ مِيعادُهُ
سابِقٌ
وهو إن حانَ لا يَغدرُ..
يَطرقُ البابَ..
يَدنو إلى خَصمِهِ
باسِمًا..
وهو يَدعو ويَستغفِرُ
ثم إن سِيقَ في النّعشِ
لا يَحضُرُ
ذاك مُستَنكَرُ..
كيف يَمشِي مع الطَّعنةِ الخنجرُ؟!
جثةً كنتُ أبدو.. ولكنني
نحوَها أَنظرُ..
كُنتُ في البَدءِ مِن حُزنِهِم أَسخَرُ
كنتُ أحكي
ولكنْ إلى داخلي
صرتُ -إلّا على الصّمتِ- لا أَقدِرُ
لستُ مَيْتًا.. ولكنني (بُنَّةٌ)
عَظمُها أَصفَرُ..
كنتُ مِن أجلِ أن يُبعَثُوا أَسهَرُ
لم يكن لي عميلٌ
ولا متجرُ
لم أكن قد مَلَكتُ الذي يُخسَرُ
قُوتُ أَهلِي مِن الصَّخرِ آتِي به
أَو مِن الصَّبرِ..
والبيتُ مُستَأجَرُ..
كان صَبري على جُوعِهِ يَصبِرُ
أَيُّنا الآنَ مِن نَفسِهِ يَثأرُ!
الأكُفُّ التي أَنكَرَت رحلتي
ها هي الآنَ إنكارَها تُنكِرُ
حينما حمّلوني على اللّوحِ
لم يَشعروا أنني أُبصِرُ
حينما صِحتُ ساروا
ولم يَعثروا
حين حَرّكتُ كفيَّ لم يُذعَروا
كُلُّهُم كَبَّروا..
غير أني بأربابهم كُلّها
لم أزل أكفُرُ..
كان ربي معي واقفًا وَحدَهُ
فهو بي أخبرُ
ها أنا الآن مُستَسلِمًا أُقبَرُ..
كُلُّ ما كنتُ أحتاجُهُ موطنٌ
باسمِهِ أُفطِرُ..
صار كُلُّ الذي أَشتهي قَتلَ مَن
جُثَّتي صَوَّرُوا