سُهّيلُ كان أبَانا حِين تُنهِكُنا
مَوَاسِمُ الجَدبِ تَجويعًا وخِذلانا
وها هُو الآنَ.. لا الشِّعرَى نَعَتهُ، ولا ال
عبورُ ناحَت عليهِ حِينَما عانَى
وها هُو المَوتُ يَدنُو نافِضًا يَدَهُ
كَعَامِلٍ يَتَقَاضَى الأَجرَ عَجلانا
وها أَنا الآنَ وَحدِي أَرتَجِيهِ بما
لَدَيَّ مِن كَلِماتٍ ذُبنَ أَشجَانا
فَلم يَقِف بِإزائِي غَيرَ ثانيةٍ..
وغابَ.. غابَ حَسِيرَ الطَّرفِ حَيرانا
وكُنتُ أَسأَلُ نَفسِي: كيف لم يَرَنِي
وكان أَقرَبَ مِن عَينَيهِ وَجْهانا؟!
أَلَم يَجِد لِفَراغِي فيه مُتَّسَعًا
أَم أَنه لِرُجُوعٍ غابَ حُسبانا؟!
ما كُلُّ ما يَتمَنَّى المَرءُ يُدرِكُهُ
فالمَرءُ قد يَتَمنَّى المَوتَ أحيانا
وحين أَيقَنتُ أَنِّي ما أَزالُ على
قَيدِ الحَياةِ، حَمَلتُ القَيدَ قُضبانا
لم تَترُكِ النَّارُ لِي بَابًا فَأُغلِقَهُ
ولم تَدَع لِيَ تحت السَّقفِ جُدرانا
تَصَاعَدَ الخَوفُ.. وانسَلَّ الدُّخَانُ كما
يَنسَلُّ سارِقُ لَيلٍ عادَ كَسبانا
وصائِحٌ صَاحَ: لا غُفرَااانَ.. قُلتُ لهُ:
وهل وُلِدنا لكي نَحتاجَ غُفرانا؟!
نَحنُ الذين دُفِنَّا قَبلَ أَزمِنةٍ
مِن خَلقِنا.. أَفَنُعطَى الآنَ دَفَّانا؟!
أَم هل نَخَافُ على ما سَوف نَفقِدُهُ
وقد سُلِبناهُ قَبلَ الفَقدِ حِرمانا!
يا كُنتَ مَن كُنتَ.. هذا يَومُ مَولِدِنا
فنحن أَقدَمُ خَلقٍ عاشَ فُقدانا
أَين اشتِعالُ رُؤُوسٍ في بَيَاضِكَ مِن
مَن لم يَذُوقُوهُ أَطمارًا وأكفانا!
كُنَّا بَنِي سَكَرَاتٍ غَيرِ كافيةٍ
حتى لِنَعرِفُ أُوْلانا وأُخرانا
لم نَقطَعِ العُمرَ.. لا شَكًّا، ولا ثِقَةٍ
ولا كَفَافًا، ولا كُفرًا وإيمانا
إِن كان ذَنبٌ فإِنَّا لا ذُنُوبَ لنا..
فَنحنُ لم نَتَعدَّ العُمرَ صِبيانا
يا كُنتَ مَن كُنتَ.. ماذا لو رَجَعتَ بِنا
حتى نُعِدَّ لِهذا اليَومِ أَذقانا؟
ما دُمتَ قبل بُلُوغِ الدَّفقِ قاطِفَنا
فَلا تَكُن بِبُلُوغِ الفَقدِ مَنَّانا
مَن لم يَعِش مُستَطِيبًا عَيشَهُ فَلَهُ
أَن يَقبِضَ العَيشَ بعد المَوتِ مَجَّانا
يا كُنتَ مَن كُنتَ.. لا تَضرِب يَدًا بِيَدٍ..
كي تَعرِفَ النَّاسَ كُن مِن قَبلُ إِنسانا
وعُدتُ أَسأَلُ نَفسِي: مَن أنا؟ وعلى
ماذا أَنُوحُ؟ وما لِي زِدتُ نُقصانا؟!
وكَيف أَصبَحتُ طَيفًا لا يَرَى أَحَدًا
ولا يَرَاهُ.. وعَمَّن أَبحَثُ الآنا؟!
هذا الصُّداعُ غَريبٌ.. كيف يَحمِلُنِي
قَوسًا.. وأَحمِلُهُ حُوتًا ومِيزانا؟!
وكيف دُونَ جَميعِ النَّاسِ بِتُّ على
مَصَارِعِ الخَلقِ والأَفلاكِ نَدمانا!
أَعُوذُ بِاللهِ مِن سَمعٍ ومِن بَصَرٍ
لا يَعرِفانِ إِلَيَّ الآن عِنوانا