أسُلافُ كرمٍ أم رحيقُ الكوثرِ
شربَ النَّدامى في خمائل «دُمَّرِ»
فاحت شذًا وحَلَتْ مذاقًا فانتشوا
بالمُسْكِرين معتَّقٍ ومُعطَّر
نهلوا بكأسٍ لا تغيض كأنهم
في عرشِ «قانا» والمسيحُ بمحضَر
وكأنما الاقداحُ وهي مشعَّةٌ
بسنا العُقار قلائدٌ من جوهر
صورٌ جلاهنَّ الخيال فلا طِلاً
يجري ولا كأسٌ تدور بِسُمَّر
سكروا أجل سكروا ولكن عندما
غنّاهمُ الشادي بشعر البُحْتري
الشعرُ أفعلُ في النفوس وفي النُّهى
من خمرِ داليةٍ وسَوْرَةِ مُسْكر
حيِّ الوفودَ تعجُّ في كنَفِ الرُّبا
من «جِلَّقٍ» وتموج موجَ الأبحر
تصغي إلى شدْوِ الطيور فصادحٌ
في أيكةٍ ومغرِّدٌ في منبر
في مهرجانٍ سارتِ الذكرى به
تختال بين مُهلِّلٍ ومكبِّر
و«أبو عُبادةَ» في مراتع خُلْدِه
يهتزُّ للذكرى وللمتذكِّر
العبقريّةُ دَرْبُ كلِّ مخلَّدٍ
كم شاعرٍ قد خلَّدتْ ومفكر
أ «دمشقُ» هزَّ الضادَ عيدُك إنه
عيد القريض بربعك المتحرِّر
أوَ لسْتِ في دنيا المفاخر والعُلا
أفقَ البيان ومقْبَرَ المستعمر
سيّان جالدتِ العدوَّ بمِرْقمٍ
يومَ الكريهة أم ضربتِ بخنجَر
كلُّ الأسنَّة في يديك قواطعٌ
تحمي العرين ولا تلين لمكْسَر
جرَّدتِها في وجهه وشكَكْتها
في صدره وسقيتِها دَمَ مَنْحر
ورجعْتِ والنصر المبين مُلأَلئٌ
في وجنتَيْك وفي جبين الأدْهُر
طربتْ له «غسّانُ» في فردوسها
ورنت تقول «لِعَبْدِ شمسٍ» أبشري
يا مشرقَ الأنوارِ كم لكِ من يدٍ
بيضاءَ في عنق الزمان المدبر
لولاك عاش الغرب في حلَك الدجى
وقضى أسًى قبل الصباح المُسْفر
فضلٌ زها في المشرقين كما زَهَتْ
آياتُ ربِّك في ثراك الأخضر
غنّى ابنُ «منبجَ» حُسنَهنَّ بنغمةٍ
لا الوُرْقُ غنَّتها ولا فَمُ مِزْهر
يا أرضَ «منبجَ» دمتِ مفخرةَ القُرى
وبقيتِ في الدنيا حديثَ الأعصر
الشعرُ كان كريمُ حضنِك مهدَهُ
والسحرُ قَدَّكِ جنةً من عَبْقر
فعززتِ بين المنْجِبات بشاعرٍ
باهى به سِبْطا معدَّ وحِمْيَر
الشاعرُ الغِرِّيد غيرَ منازعٍ
والحكْم حكمُ «أبي العلاء» المبْصِر
الصائغُ المعنى حبائكَ لؤلؤٍ
في عسجدٍ من لفظه المتخَيَّر
إن الذي أجرى النبوغ جداولاً
خصَّ «الوليد» بنبعِهِ المتفجِّر
أ «أبا عُبادةَ» أيُّ فنٍّ لست في
مِضماره بالفارس المتصدِّر
طوَّفت بالأطلال باديةَ الشَّجا
متسائلاً عن حالها المتغيِّر
فإذا الرسومُ نواطقٌ وإذا البِلى
متنصِّتٌ لمخبِّرٍ ومُخبَّر
وإذا بيانك في مناجاة الصُّوى
صورٌ تُحدَّث عن فنون مُصوِّر
شاقتك ذكرى الفرسِ في إيوانهم
فحملتَ للتاريخ بركةَ جعفر
تجري المياهُ بها سبائكَ فضَّةٍ
ذابتْ فسالت كالغمام الممْطِر
وتحفُّها قطع الرياض كأنها
ألوان قوسٍ في السحاب مُوَتَّر
عاشت على كرِّ العشيِّ وإن غَدَتْ
شبحًا يطوف وراء ربعٍ مُقْفر
صورٌ روائعُ كم بشعركِ مثلُها
في حرب ذئبٍ أو قتال غَضَنفَر
وَصْفٌ يصلُّ السيف فيه كأنه
يجتثُّ نابًا أو يُطيح بأظْفُر
والخيلُ في الحلباتِ كم سُمِعتْ لها
في الطِّرْس همهمةُ الجياد الضُّمَّر
وحُلَى الربيعِ الطلقِ كم صوَّرتَها
فِتَنًا تلوح بكل أزهرَ مُزْهر
من روضةٍ بسّامةٍ وخمائلٍ
لفَّتْ خواصرَها سواعدُ أنهر
فِكَرٌ تألَّقُ بالجمال نظمتَها
شعرًا يضيء بكل معنًى نَيِّر