علَّمَتْني الحياةُ أن أتغنَّى
بجمال الحياة كلَّ صباحِ
فأراني قد عُدْتُ طيراً سعيداً
يتسامى بين السنا الوضّاح
وأراني قد صرت روحاً طليقاً
يتهادى في عالم الأرواح
وأحسُّ الحياة تفتر في نَفْ
سي، وتخضرُّ كالربيع المتاح
وأرى قلبيَ الرقيق من الفَرْ
حَةِ، يشدو كالطائر الصدّاح
قل لمن يملأ الحياة بكاءً
وهْو ثاوٍ في ظلمة الأتراح؟
إنَّ من يزرع المدامع يوماً
ليس يجني غيرَ الأسى والنُّواح
فازرعِ الفرحة العميقة في نَفْ
سِكَ تنبتْ حديقةُ الأرواح
علَّمتني الحياة أن عبير ال
وُدِّ يُهدي للروح عطرَ الصفاءِ
فطلبت الوِداد في كلِّ قلبٍ
من قلوب الصِّحاب والنُّظراء
ومنحتُ الوداد صفْواً من القل
بِ بلا مِنَّةٍ، ودون رياء
غير أني - ويا لشقوة نفسي -
قد عدِمتُ الوفاء في أصدقائي
بعضهُم خانني لتنعمَ بالغَدْ
رِ نفوسٌ كالحيَّة الرقطاء
وفريقٌ قد شامَ مجدي سماءً
فأثار الرعودَ حول سمائي
أتراني ألومهم؟ هل ألوم الْ
بومَ، إنْ ساءها بريقُ الضياء؟
إن أردتَ الوفاء يا قلبُ، فانعمْ
في الأماني بطيفه الوضّاء
علمتْني الحياة أن جمال الرْ
رُوحِ أسمى من فتنةِ الأجساد
كم عشقتُ الجمال في جسدٍ مُغْ
رٍ، يثير المنى بقلب الجماد
ورأيت الدماء تركض ناراً
في عروقي، وجذوةً في فؤادي
ثم ألفيتُ هذه النار تخبو
كلما جئتُه فنلتُ مُرادي
ورأيتُ الملالَ ينسلُّ في نفْ
سي، فأسلمتُ للملال قيادي
وتبيّنتُ أن ألفة روحَيْ
نِ عبيرٌ يبقى مدى الآباد
غير أني ما زلتُ أحيا أسيراً
لحياةٍ صيغت من الأضداد
ولهذا مهما سموت، فإني
لهبٌ يستكنُّ تحت الرماد
علَّمتْني الحياة أن عذاب النْ
نَفْسِ، أقسى من نار كلِّ عذابِ
في فؤادي الحزين جرحٌ عميقٌ
عاش فيه من قبل عهد الشباب
أيُّ جرحٍ هذا؟ أجرحُ غرامٍ
من عيونٍ كحيلة الأهداب؟
ذاك سرِّي ولن أبوح به ما
عشتُ حتى للأهل والأصحاب
أنا وحدي سأكتوي بلهيبي
من هواني وحَيْرتي واضطرابي
إنما الناس يا فؤادي عدوٌّ
شامتٌ لو درى بسرِّ مصابي
أو حبيبٌ يأسّى لما بي وإني
لا أسوق الأسى إلى أحبابي
ولهذا سأختفي بدموعي
حين أبكي، وأرتمي خلف بابي
علَّمتني الحياة أن أتمنَّى
فتُغنِّي نفسي بسحر الأماني
إن سرَّ المنى يُحيل حياتي
جنةً شاعريَّةَ الألوانِ
هو سرُّ المجهول يذهب عنه
كلُّ سحرٍ إذا بدا للعيان
رُبَّ أمنيَّةٍ قضيتُ حياتي
أشتهيها بمهجتي وكياني
ثم جاءت وقد خَبَتْ نار شوقي
حين جاءت إليَّ بعد الأوان
أيُّ نفعٍ في نسمة الصيف تأتي
إذ يكون الشتاء في العنفوان؟
حسْبُ نفسي من الأماني نداءٌ
دائب الشوق، دائم التَّحنان
ولقاءٌ في عالم الوهم إن عَزْ
زَ لقاءٌ في عالم الإنسان
علمتني الحياة أنْ ليس فيها
أيُّ شيٍء يبقى مدى الأيامِ
كم عزيزٍ كنا نراه مُنَى العُمْ
رِ، فلو مات لم نعشْ بعضَ عام
وقضى نحبَه، فقلنا سنقضي
عمرَنا في الدموع والآلام
وانطوتْ فترةٌ، فضاع أسانا
في غمار الأحداث بين الزحام
وانطوتْ فترةٌ، فصرنا نغني
لحياةٍ سحريَّة الأنغام
لو تدوم الأحزان في هذه الدُّنْ
يا لصارت حياتُنا كالحطام
أو تدوم الأفراح فيها، سئمنا
كلَّ شيءٍ في عمرنا البسَّام
آفة العيش أن يكون رتيباً
رُبَّ فوضى تضمُّ روحَ النظام
علمتني الحياة أشياءَ شتَّى
علَّها تطرد الجهالة عني
قد تعلمتُ يا حياتي ولكن
بعضُ ما قد عَلِمْتُه لم يُفدْني
حين بانت ليَ النفوسُ بعلمي
صرتُ أخشى من أقرب الناس مني
ورأيت النفاق يبدو لنفسي
مثلما تظهر الوجوه لعيني
ورأيت الدهاء والزيف والتَّضْ
ليلَ، تبني مجداً ورفْعةَ شأن
نال غيري ما لم أنلْه، لأني
لم أصانعْ، ولم أتاجر بفنِّي
ولكم أغرس البذور بأرضي
ثم يأتي غيري إليها ويجني
أي عدْلٍ هذا؟ وأي حظوظٍ
قسَمَتْها الحياة قسمةَ غَبْن؟
ولكم حرتُ في الحياة ومغزى
أنني بعدها أعود لشأني
لا اختياراً أتيتها وهْي سجنٌ
لا اختياراً بالروح أترك سجني
ومصيري وما المصير؟ أتدري
بمصيري؟ إن كنت تدري أجِبْني
إنَّ كُنْهَ المصير لغزٌ عميقٌ
نحن منه ما بين حدْسٍ وظنِّ
ليتني جاهلٌ، فأقضي حياتي
راضياً بالحياة في أيِّ لون
ليتني جاهلٌ، فتسلمَ نفسي
من عذاب الأفكارُ، والفكر يضني
ليتني جاهلٌ، فأحيا سعيداً
هادئ النفس، للحياة أغنِّي