ما زالَ في الأرضِ ما يكفي من الغَيبِ
لكيْ أَظَلَّ غَرِيقًا فيكَ يا ربِّي
كُلُّ الذين لَكَ انقادوا على وَلَهٍ
قد استعاروا دمي واستأجروا قلبي
أقسمتُ بالحُبِّ أنْ أجتثَّ من عَضُدٍ
يُمنايَ، لو أَغْلَقَتْ بابًا على الحُبِّ
خَطُّ استواءِ الهوى في كلِّ خارطةٍ
للكونِ، يمتدُّ من جَنبي إلى جَنبي
سَريرتي سِيرتي من فرطِ ما اتَّحَدَتْ
روحي بأسرارِ هذا العالمِ الرَّحْبِ
خوفًا على الأرضِ.. خوفًا من تَدَحْرُجِها
بالخَلقِ، عَلَّقْتُها في عُرْوَةِ الهُدْبِ
لو يكبرُ الناسُ في حبري وفي قلمي
ضاعفتُ أعمارَهُمْ بالجَمعِ والضَّربِ
عندي من الحُبِّ ما يكفي ليَمْنَحَنِي
حصانةَ النَّفْسِ ضِدَّ الزهوِ والعُجْبِ
خُذْني إليكَ.. إلى نجوًى سَوَاسِيَةٍ
في مسجدِ القُرْبِ أو في حانةِ القُرْبِ
ما دُمْتُ أشربُ قُرْبًا منكَ يُسكِرُني
فَلْأَصْرِفِ العُمْرَ بين السُّكْرِ والشُّرْبِ
أَغْنَيْتَني بِكَ في روحي، فلا عَتَبٌ
إذا افتقرتُ وعاش الفقرُ في جَيبي
معي مفاتيحُ بيتِ الشِّعْرِ أحملُها
كي أفتحَ الكونَ من قُطْبٍ إلى قُطْبِ
يا ربَّ (يوسفَ).. هل شئتَ السقوطَ لهُ
في عتمةِ البئرِ كي ينجو من الذنبِ؟!
خُذْني لنجواكَ واشْطُبْني بصاعقةٍ
واكتبْ لقاءً لنا في آخِرِ الشَّطْبِ
لي (حَجَّةٌ) فيكَ ما أدركتُ (كعبتَ)ها
فلم تزلْ رحلتي في أَوَّلِ الدربِ
أمشي مع الرَّكْبِ.. لا يمشي سوى جسدي
لكنَّما الروحُ مالَتْ خارجَ الرَّكْبِ
لا أدَّعيكَ لنَفْسِي.. إنَّ جَنَّتَها
تضيقُ عن كلِّ هذا الماءِ والعُشْبِ!
روحي تُفَتِّشُ كالأرواحِ عن وطنٍ
أعلَى، يُوَحِّدُ بين اللهِ والشَّعْبِ
كُلُّ الكُرومِ تَذَوَّقْناَ حلاوتَها
فما وَجَدْناَ غِنًى عن كَرْمَةِ الغَيبِ
والأرضُ جُبٌّ سَقَطْنَا وَسْطَ عَتْمَتِهِ
مُفَرَّقِينَ بشَرقِ الجُبِّ، والغَربِ
قال النَّبِيِّونَ: لُمُّوا شَمْلَ فُرْقَتِكُمْ
فلَمَّةُ الشَّمْلِ تجلو عتمةَ الجُبِّ!
لم ندركِ السِّرَّ في مغزَى رسالتِهِمْ
فارتدَّ ساعي بريدِ الحُبِّ بالحَرْبِ
هذي التسابيحُ تطفو من حناجرِنا
كي تغسلَ الأُفْقَ من خَوفٍ ومن رُعْبِ
والأرضُ تشتاقُنا نبني معابدَها
حتَّى نُحَرِّرَها من قبضةِ الذئبِ
كلُّ الحقولِ العطاشَى في مآذنِها
تصيحُ: حَيِّ على الغَيْماَتِ والسُّحْبِ!
والنخلُ لم يرتفعْ يَومًا بقامتِهِ
إلا ليَرْتُقَ ما في الأُفْقِ من ثُقْبِ
يا ربُّ.. ها أنا مجذوبٌ تَخَطَّفُني
في حلقةِ الوَجدِ، أشكالٌ من الجَذْبِ:
من غِبطةِ الريحِ.. من أنفاسِ غِبطتِها..
من خُضرةِ الماءِ.. من نافورةِ الخِصْبِ!
في صفحة الكونِ آياتٌ مُسَطَّرةٌ
تَروِيكَ أوضحَ مِمَّا جاءَ في الكُتْبِ
كلُّ الإشاراتِ أَغْرَتْنِي لأَتبَعَها
إليكَ، في زحمةِ الأسرارِ والحُجْبِ
وإِخوتي خَوَّفوني منكَ يا أبتي
خوفًا يُجَفِّفُ ماءَ الخَلقِ في صُلْبِي
ضَيَّعْتُ في السِّربِ ذاتي من ملامحِها
لم أبلغِ الذاتَ إلا خارجَ السِّرْبِ