أرأيت الطفل يا ذا البصرِ
ما له عن نفسه من خبرِ
ليس يدري ما قريبٌ و بعيدْ
كرة النجم بكفَّيه يريد
ما سوى الأم يرى منه الجفاء
همُّه أكلٌ و نومٌ و بكاء
ليس تدري أذنه ما النغمة
لحنه ثورته و الضجة
فكره غُفلٌ ضعيف الأثرِ
قوله فيه صفاء الجوهرِ
ليس في تفكيره إلا السؤالْ
أين ، أنى ، ومتى في كل حال
كل نقشٍ عنده ينطبعُ
و هو كلٌّ غيره يتَّبع
عينه إما بكفٍّ تطبقُ
تتنزى روحه في قلقِ
فكره في الجوِّ واهِ حذرُ
كصُقيرٍ لاصطيادٍ يُخبرُ
خلف صيدٍ في حذار يُرسله
ثمَّ يدعوه إليه يُعجله
ثم غشَّاه لهيب الفكر
فرمى خذروفه بالشرر
فتراه عينه مستعلنا
فيدقُّ الصدر يعني : ها أنا
و من الذكرى ينمِّي نفسه
غده يربط فيه أمسه
ينظم الأيام خيط الذهب
نسق الدرُّ بسمطٍ مُعجب
جسمه يُرمي و يُكري قائلاً
مثل ما كنت أراني ماثلا
(أنا)هذي بدءُ مقصود الحياه
نغمة اليقظة في عود الحياه
مثلُ الأمة حين النشأة
مثل الطفل ضعيف المنة
هي طفلٌ نفسه لا يعرف
جوهرٌ غشَّى عليه الصدف
يومه بالغدِ لم يوصلْ و لا
بصباحٍ و مساء ٍ سُلسلا
و بعين الكون إنساناً يُرى
كل شيء ما عداه أبصرا
بعد لأيٍ طرفُ الخيط بدا
بعد ما حلَّت يداها العقدا
فإذا راز قواها الدهر
يتجلى ذا الشعور المضمرُ
أسطراً تمحو و أخرى تسطُر
صفحاتٍ بيديها تزبرُ
يُبلس الفرد إذا ما انتثرا
عِقد أيامٍ عليه قُدِّرا
نور قومٍ من مداد السير
نفسه يعرفها بالذكر
أمةٌ قد نسيت سيرتها
ينسخ الدهر غداً آياتها
أنت سفرٌ كتبته السيرة
خيطه أيامك الموصولة
ثوبنا أيامنا في الزمن
و خياط الثوب حفظ السنن
ما ترى يا غرُّ تاريخ البشرْ
قصةٌ ،أسطورةٌ، لهوٌ، سمر
في سناه أنت بالنفس بصير
في هداه أنت بالسير خبير
إنه أعصاب جسم الأمة
إنه في الروح مثل الشعلة
هو يجلوك كسيفٍ مخذم
ثم يرمي بك بين الأمم
أيُّ عودٍ ذي فنون تسحَر
نغمات الأمس فيه تُؤثَر
خامد الشعلة فيه يُشعَلُ
يومه للأمس فيه موئلُ
شمعه كوكب بختِ الأمم
و سنا اليوم وأمسِ المظلم
عينه تبصرُ ما قد عَبَرا
و تُرى الماضي حياً مُحضرا
و عتيق الراح في كاساته
و خُمارُ الأمس في نشواته
صائدٌ يرجعُ في أشراكنا
طائراً قد طار من بستاننا
فاذكر التاريخ و استحكم به
عشْ بأنفاسٍ مضتْ في طبه
أحكمنْ و صلة يومٍ و غد
و الحياة امضِ بها طوع اليد
و قدِ الأيام قسراً بمهارْ
أو فعش أعمى بليلٍ و نهارْ
صاحِ من ماضيك تبدو حالُكا
و من الحال بدا استقبالكا
إن تُرد خلد حياةٍ فصلِ
ما مضى بالحال و المستقبلِ