يَا أَيُّهَا اللَّحْنُ الْمُقَدَّسُ قَدْ جَرَى
فَوْقَ السُّطُورِ فَزَلْزَلَ الدُّنْيَا صَدَاهَا
جِئْنَا نُسَاجِلُ فِي مَيَادِينِ الْهَوَى
شِعْرًا كَرِيحٍ عَاصِفٍ تَهْفُو رُبَاهَا
لَا شَيْءَ يُوقِفُ صَوْلَةَ الْإِحْسَاسِ إِذْ
تَبْدُو الْقَوَافِي شَامِخَاتٍ فِي سَمَاهَا
نُهْدِي إِلَيْكُمْ دُرَّ نَظْمٍ خَالِصٍ
كَالرَّوْضِ يُعَطِّرُ بِالْوَفَاءِ ثَرَاهَا
هَذِي مَلْحَمَةُ الْعُيُونِ، فَسَلِّمُوا
قَلْبًا أَذَابَ الْحُبُّ فِي مِحْرَابِهَا
بَلِّغُوهَا أَنَّنِي لِلْوَصْلِ مَا
عَانَقْتُ غَيْرَ الشَّوْقِ فِي أَفْوَاهِهَا
إِنِّي تَعِبْتُ مِنَ السِّنِينَ وَغُرْبَتِي
حَتَّى غَدَوْتُ كَعَاشِقٍ أَضْنَاهَا
وَاللَّيْلُ أَسْدَلَ فَوْقَ وَجْهِي ظُلْمَهُ
إِلَّا بِذِكْرَاهَا يُضِيءُ دُجَاهَا
مَا عَادَ بَعْدَ فِرَاقِهَا صَبْرِي مَعِي
بَلْ ضَاعَ مِثْلَ الرِّيحِ فِي مَرْسَاهَا
يَا زَهْرَةً سَكَبَتْ دُمُوعِي حَوْلَهَا
حَتَّى غَدَتْ كَالنَّهْرِ فِي مَجْرَاهَا
مَا كُنْتُ أَظْلِمُ فِي هَوَاهَا خَاطِرِي
لَكِنْ غَرَامِي جَاءَ مِنْ مُبْتَدَاهَا
فَالْعُمْرُ مِنْ دُونِ الْحَبِيبَةِ هَاوِيًا
وَالرُّوحُ ضَاعَتْ إِنْ جَفَوْتُ رُبَاهَا
إِنِّي إِذَا مَا عُدْتُ أَنْظُرُ لِلْمُنَى
لَا شَيْءَ يُبْهِرُ غَيْرَ بَرِيقِ سَنَاهَا
يَا مَنْبَعَ الْأَشْوَاقِ إِنِّي شَاعِرٌ
أَبْنِي عَلَى قَدَمِ الْخُلُودِ بُكَاهَا
وَأَظَلُّ أَكْتُبُ وَالزَّمَانُ شَهِيدُنَا
أَنْ لَا وَفَاءَ يُضَاهِيَ اسْتِذْكَارَهَا
أَبْلِغْ فُؤَادَكِ أَنِّي رَغْمَ بُعْدِ النَّوَى
مَا زِلْتُ أَحْيَا بِشَوْقٍ إِلَى عَيْنَاهَا
كَمْ لَيْلَةٍ سَهِرَتْ عُيُونِي بَاكِيَةً
أُصْغِي لِأَنْغَامِ النَّسِيمِ بُكَاهَا
وَكَتَبْتُ فَوْقَ الصُّبْحِ آلَافَ الْهَوَى
لَكِنْ غَدَتْ أَوْرَاقُ قَلْبِي تَشْقَاهَا
يَا أُنْسَ رُوحِي هَلْ تَظُنِّينَ الْفَتَى
يَهْوَى سِوَاكِ؟! وَكَيْفَ يَهْجُرُ مَثْوَاهَا؟
إِنِّي خُلِقْتُ لِكَيْ أَكُونَ لِعَهْدِهَا
وَالْعَهْدُ يَحْيَا بِالْوَفَاءِ لِيَرْعَاهَا
يَا زَهْرَةً بَيْنَ الزُّهُورِ مُقَدَّسَةً
أُهْدِيكِ عُمْرِي كَيْ يَطِيبَ رَجَاهَا
إِنِّي جَعَلْتُكِ فِي دَمِي أُغْنِيَةً
تُرْوَى بِالحُبِ كُلَّ يَوْمٍ سُقْيَّاهَا
لَا الرِّيحُ تُبْعِدُنِي وَلَا بَحْرُ النَّوَى
عَنْكِ، فَأَنْتِ الْعُمْرُ فِي مَرْسَاهَا
مَاذَا أَقُولُ وَأَنْتِ رُوحُ قَصَائِدِي
وَنَسِيمُ شِعْرِي فِي فَضَاءِ هَوَاهَا؟
هَذِي مَلَائِكَتِي تُغَنِّي بِاسْمِهَا
حَتَّى غَدَا الْكَوْنُ الطَّهُورُ غِنَاهَا
بَلِّغُوهَا أَنِّيَ فِي الْأُفُقِ الْعَلِي
أَبْنِي لَهَا صَرْحَ الْمَحَبَّةِ مُبْتَغَاهَا
لَا شَيْءَ بَعْدَ لِقَائِهَا يُغْنِي الْفَتَى
هِيَ جَنَّتِي، بَلْ هِيَ رَجَائِي كُلَّاهَا
يَا وَرْدَةً سَكَنَتْ قُلُوبَ الْعَاشِقِينِ
مَا عَادَ غَيْرُكِ فِي دَمِي مَأْوَاهَا
قَدْ بِتُّ أُقْسِمُ أَنَّ حُبِّي خَالِدٌ
مِثْلَ النُّجُومِ، وَ فَجْرٍ لَاحَ ضُحَاهَا
لَا مَوْتَ يُنْهِي سِحْرَهَا فِي مُهْجَتِي
بَلْ إِنَّ مَوْتِي زَادَنِي فِي ذِكْرَاهَا
أَبْلِغْ فُؤَادَكِ أَنِّي أَرْتَجِي وُدَّهَا
مَا زِلْتُ أَحْيَا بِحُبٍّ لَا سِوَى رِضَاهَا
وَأَظَلُّ أَكْتُبُ مِثْلَ طِفْلٍ خَاشِعٍ
فَوْقَ السُّطُورِ دُمُوعَهُ أَهْدَاهَا
كَمْ مِنْ حُرُوفٍ ذَابَ فِيهَا خَافِقِي
حَتَّى غَدَتْ مِثْلَ الدِّمَاءِ جَرَاهَا
يَا قُدْسَ أَحْلَامِي وَيَا سِرَّ الْمُنَى
فِيكِ الْمَحَبَّةُ وَالْخُلُودُ سَنَاهَا
قَدْ كُنْتِ نُورًا فِي اللَّيَالِي الْحَالِكَاتِ
قَدْ كُنْتِ فَجْرًا أَزْهَرَتْ بِشَذَاهَا
مَا زِلْتُ أَذْكُرُ ضَحْكَةً مِنْ وَجْهِهَا
كَالنُّورِ يُشْعِلُ فِي الْفُؤَادِ ضِيَاهَا
هِيَ بَهْجَةُ الدُّنْيَا وَإِنْ غَابَتْ فَمَنْ
يُنْسِي غَرِيبَ الرُّوحِ دَمْعَ فِرقَاهَا؟
إِنِّي نَذَرْتُ الْعُمْرَ عِنْدَ وِصَالِهَا
أَنْ لَا أَخُونَ وَلَا أَمِيلَ سِوَاهَا
يَا سَلْوَةً لِلرُّوحِ إِنِّي عَاشِقٌ
لَمْ يُسْعِدِ الْقَلْبَ الْمُكَدَّرَ إِلَّاهَا
قَدْ أَوْصَلَ التَّارِيخُ حُبِّي لِلْوَرَى
كَالنَّهْرِ يَجْرِي فِي صَمِيمِ ثَرَاهَا
يَا مَنْبَعَ الطُّهْرِ الْمُبِينِ حِكَايَةً
سَارَتْ كَمَا الْأَسْفَارُ فِي ذِكْرَاهَا
إِنِّي رَضِيتُ بِأَنْ أَعِيشَ مُغَرَّدًا
كَيْ يَبْقَى فِي الدَّهْرِ الْقَصِيدُ هُدَاهَا
وَسَأَلْتُ عَنْ سِرِّ الْحَيَاةِ فَلَمْ أَجِدْ
إِلَّاكِ يَا عِشْقِي، فَأَنْتِ صَدَاهَا
قَدْ أَوْصَلَتْنِي لِلْحَيَاةِ مَحَبَّتِي
حَتَّى غَدَوْتُ كَطَائِرٍ يَهْوَاهَا
لَوْ أَنَّ دَهْرِي بِالنَّوَائِبِ هَاجَنِي
مَا هَانَ عَهْدِي بِحُبٍّ فِي هَوَاهَا
هَا أَنَا ذَاكَ، وَمَا الْغَرَامُ بِرَاحِلٍ
عَنِّي، فَإِنِّي خُلِقْتُ مِنْ مَغْنَاهَا
يَا وَرْدَةَ الْأَزْمَانِ يَا حُلْمِي الَّذِي
أُقْسِمْتُ أَنْ أَبْقَى وَفِيًّا لِحِمَاهَا
عَلَّمْتِ قَلْبِي أَنْ يَكُونَ كَرِيمَاً
كَالزَّهْرِ يَمْنَحُ فِي الْمَدَى عِطْرَاهَا
إِنِّي كَتَبْتُكِ فِي الْوُجُودِ مَلْاحِمَاً
تَبْقَى عَلَى الْأَزْمَانِ مَا دَامَتْ سَمَاهَا
حَتَّى إِذَا مَا ضَاعَ صَوْتِي وَانْمَحَى
بَقِيَ الْهَوَى شِعْرًا يُرَدِّدُ ذِكْرَاهَا
هَذِي حِكَايَتُنَا مَعَ الْعِشْقِ الَّتِي
خَطَّتْ قُلُوبُ الْعَاشِقِينَ رُؤَاهَا
دِيوَانُ حُبٍّ كَالنُّجُومِ تَأَلَّقَتْ
فَوْقَ السُّطُورِ، فَزَخْرَفَتْ مَرْآهَا
يَا أَيُّهَا التَّارِيخُ كُنْ شَهِيدًا لَنَا
أَنَّ الْغَرَامَ الْخَالِدَ الْيَوْمَ بَرَاهَا
فَالرُّوحُ لَا تَرْضَى بِغَيْرِ حَبِيبَةٍ
تَبْقَى لَهَا فِي الْمَهْدِ مَا أَغْلَاهَا
وَبِهِ اخْتَتَمْنَا لَحْنَ عِشْقٍ خَالِدٍ
يَبْقَى مَدَى الْأَزْمَانِ أَعْظَمَ ذِكْرَاهَا