يا سَارَةَ الرُّوحِ، وَالْأَحْلَامُ تَفْتَرِشُ الدُّنَا
وَالرُّوحُ يَسْبَحُ فِي فَضَاءِ الْمَحْشَرِ
مَا كَانَ شِعْرِي إِلَّا وَجِيبَ مُهَجَتِي
يَسْقِي الْحُرُوفَ كَحُسْنِ وَجْهِ الْأَنْوَرِ
قَدْ كَانَ لِي قَلْبٌ يُحَلِّقُ فِي الْمَدَى
حَتَّى أَتَيْتِ فَصِرْتِ أَنْتِ مَسَافِري
سِرْتُ الْمَفَاوِزَ لَا يُؤَرِّقُنِي الْكَرَى
وَالدَّمْعُ يَحْمِلُنِي كَمَاءِ الْأَنْهُرِ
وَرَكِبْتُ صَهْوَتَهَا وَفِي عَيْنِي لَظًى
يَا مَنْ يُطْفِئُ فِي الْجَوَانِحِ مِجْمَري
خَوْصَاءُ تَسْرِي فِي الدُّجَى عَرْجَاءُ
مِنْ نَصَبِ الْغَرَامِ كَأَنَّهَا لَمْ تُظْفَرِ
تَثْنِي الْمَفَاوِزَ وَالْمَهَارِسَ خُطْوَهَا
وَالْمَوْتُ تَحْتَ حَوَافِرِ الْمُتَجَبِّرِ
زَيَّنَتْ لَهَا سِرْبُ الظِّبَاءِ فَمَالَ بِي
شَوْقٌ كَأَنَّ سُرَاتَهَا فِي مَجَمْهَرِ
مَا كُنْتُ أَرْجُو أَنْ أُقَادَ لِعِشْقِهَا
وَأَصِيرَ مِنْ شَجَنِ الْفِرَاقِ بِمَحْضَري
لَكِنَّنِي عَشِقْتُهَا وَالْعِشْقُ قَدْ
جَعَلَ الْمُنِيبَ كَالْعَصِيِّ الْمُدْبِرِ
يَا سَارَةَ الرَّيْحَانِ مَهْلًا فَإِنَّنِي
سَهْمُ الْحَنِينِ إِذَا اسْتَبَدَّ بِمَعْشَري
قَطَعَتْ عُقُبَ السَّرَى وَجُفُونُهَا
تَغْفُو عَلَى زَفَرَاتِ قَلْبِي الْمُنْدَرِ
كَحَلَتْ مَلَامِحَهَا الظُّنُونُ فَصِرْتُهَا
أَلَقًا يُضِيءُ الْقَفْرَ مِثْلَ الْمُنْذِرِ
تَحْمِلُ خُطْوَاتِي الْحَنِينَ وَإِنَّمَا
فَوْقَ الظُّهُورِ قُلُوبُنَا لَمْ تُسْعَرِ
أَهْدَتْ إِلَيَّ مَلَامِحًا مِنْ نُورِهَا
فَسَرَتْ بِأَعْمَاقِي كَنَفْحِ الْأَزْهِرِ
إِنْ تَبَسَّمَتْ وَهْنًا تَرَنَّحَ مُهْجَتِي
وَخَبَا جَنَاحُ الصَّبْرِ مِنْهَا الْأَجْدَرِ
لَا تَسْأَلُوا عَنْ مَسْلَكِي فِي بُعْدِهَا
فَأَنَا الْغَرِيبُ عَلَى الدُّرُوبِ الْمُقْفِرِ
أَنَا الْمُعَلَّقُ بِالْهَوَى إِنْ مَرَّتِ
سُحُبُ الْجَمَالِ بِمَوْطِنٍ لَمْ يُعْمَرِ
قَدْ يَسْتَكِينُ السَّائِرُونَ وَإِنَّمَا
أَمْشِي وَفِي ظِلِّ الْحَنِينِ مُسَيَّرِ
سَارَةُ يَا عَيْنَ الْمَدَى وَنَشِيدَهُ
مَهْلًا عَلَى شَوْقِ الْمُسَافِرِ مُحْذِرِ
وَتَنَاثَرَتْ أَيَّامُنَا بَيْنَ الرُّؤَى
كَالْخَيْلِ تَفْلِتُ مِنْ قُيُودِ الْمُسْفِرِ
يَا مَنْ غَفَوْتَ عَلَى رِيَاحِ حَنِينِي
وَتَرَكْتَنِي كَالْغَيْمِ دُونَ مُعَبِّرِ
صَحِبَتْ صَبَابَتَنَا الْمَسَافَاتُ الَّتِي
مَا زَالَ فِيهَا السِّرُّ لَمْ يَتْجَسَّرِ
إِنِّي إِذَا مَا اللَّيْلُ أَرْخَى سُهْدَهُ
أَبْقَى عَلَى أَثَرِ النِّدَاءِ الْمُسْتَسِرِ
سَافَرْتُ أَحْمِلُ وَجْهَهَا فِي رِحْلَتِي
وَكَأَنَّهَا قَمَرٌ بِأَجْفَانِ السُّهُرِ
وَتَعَثَّرَتْ خُطْوَاتُ قَلْبِي دُونَهَا
فَبَكَتْ جِرَاحُ الْعِشْقِ فِي كُلِّ الْمَطَرِ
يَا سَارَةَ الْأَزْمَانِ إِنِّي هَا هُنَا
مَذْبُوحُ لَوْعَةِ خَاطِرٍ لَمْ يُجْبَرِ
كَمْ صِرْتُ فِي شَجَنِ التَّرَقُّبِ نَازِفًا
وَظَنَنْتُهَا نَجْمًا بِلَيْلٍ أَبْحَرِ
فَإِذَا الْبُعَادُ سُيُوفُهُ مُنْشُوبَةٌ
فِي مُهْجَتِي وَمَدَى الْجِرَاحِ الْمُنْذِرِ
قُولِي لِقَلْبِي: لَا تُلِحَّ فَإِنَّهُ
صَارَ رَهْنَ شَذَاكِ يَا بَدِيْعُ السَّحَرِ
قَدْ كَانَ جَفْنُ اللَّيْلِ يَشْهَقُ كُلَّمَا
فَاحَتْ نُعَاسًا مِنْ سَنَاهُ الْأَدْهَرِ
وَالنَّجْمُ يَسْرِي خَاشِعًا مِنْ فِتْنَةٍ
خَطَفَتْ جَلَالَ الصُّبْحِ مِنْ مُسْتَتِرِ
أَشْهَى الْمَنَازِلِ مَا غَفَتْ أَنْفَاسُهَا
فِي الْحُلْمِ وَانْبَثَقَتْ كَضَوْءِ الْمُسْفِرِ
مَا بَيْنَنَا إِلَّا التَّنَهُّدُ خِلْسَةً
وَسُكُونُ صَدْرٍ ضِجَّةُ الْمُسْتَنْكِرِ
أَسْرَيْتُ فَوْقَ الْوَهْمِ أَمْتَثِلُ الْهَوَى
وَالنَّايُ مِنْ وَجْدِي يَئِنُّ بِالقَمَرِ
يَا دَارَهَا، وَالدَّارُ تُصْغِي أَنْجُمًا
وَالصَّوْتُ مِنْ وَجَعِي كَنَقْرِ الْمِزْمَرِ
كَمْ زَوَّرَتْ طَيْفِي، وَمَا بَرِحَ الْأَسَى
يُؤْوِي فُؤَادِي فِي الْمَسَاءِ الْمُنْذِرِ
قَسَمًا بِحُزْنِ الْخَيْلِ فِي فَلَوَاتِهَا
مَا خَابَ مَنْ لِلْحُبِّ كَانَ الْمُؤَزَّرِ
سَارَةْ، وَمِنْ سُكْرِ الْمَعَانِي مَظْهْرْ
يَتْلُو السُّهَادَ كَآيَةٍ فِي الْمِئْزَرِ
فِي مِشْيَةٍ خَفِرٍ تُرَبِّكُ قَافِلًا
وَتَهُزُّ وِجْدَانَ الطَّلِيقِ الْمُحَرِّرِ
إِنْ قُلْتُ أُغَنِّي لِلْوِصَالِ، فَآهَتِي
تَشْدُو عَلَى وَتَرِ الْفِرَاقِ الْمُنْكَرِ
وَالشَّوْقُ كَالتَّبْغِ الْمُحَرَّمِ سُكْرُهُ
يَغْتَالُ وِجْدَانِي كَطَيْفِ الْمُسْهَرِ
وَالنَّبْضُ يَحْمِلُنِي لِوَاحَاتِ الْهَوَى
وَيُشِيعُ فِي طَرَفِي صَدَى الْمُتَخَيِّرِ
إِنِّي رَأَيْتُكِ فِي ضِيَاءِ حَدِيقَةٍ
يَسْرِي عَلَى أَرْجَائِهَا نَفْحُ الزَّهَرِ
وَتَفَتَّحَ الْحُلْمُ الْمُسَافِرُ فِي دَمِي
حَتَّى غَدَوْتُ كَطِفْلِ صَبٍّ مُحْتَرِ
يَا فَاتِنَةَ الْأَحْلَامِ حَسْبِي أَنَّنِي
أَرْتَادُ عَيْنَكِ فِي فُسُوحِ الْمَنْظَرِ
هَلْ تَعْلَمِينَ أَنِي غَرِيبٌ فِي الْمَدَى
مَا بَيْنَ جُرْحِي وَالْمُنَى لَمْ يُنْذَرِ
لَوْ كُنْتِ تَدْرِينَ الْمَسَافَاتِ الَّتِي
قَدْ بَاحَ فِيهَا الْقَلْبُ سِرًّا مُسْتَتِرِ
أَهْوَاكِ حَتَّى صِرْتُ أُحْيِي نَفْسَهُ
بِنَفَسٍ أَتَى مِنْ نَبْضِ عِطْرِكَ عَنْبَرِ
وَإِذَا غَفَوْتِ عَلَى مَدَى تَرَنُّمِي
نَامَ الْكَوْنُ وَاسْتَيْقَظَ الْحُلْمُ الْبَكَرِ
لَا تَسْأَلِي عَنِّي فَفِي أَعْمَاقِنَا
صَوْتٌ يُنَاجِي صَمْتَنَا فِي الْمَحْضَرِ
إِنِّي أُرَاقِبُ فِي عُيُونِكِ مَجْدَكُمْ
وَأَرَى نُجُومَ الْعِطْرِ فَوْقَ الْمَسْتَرِي
مَا زِلْتُ أَشْتَعِلُ الْحَنِينَ وَفِي دَمِي
نَبْضٌ يُؤَرِّقُنِي كَسِرٍّ مُنْذِرِ
حَتَّى إِذَا مَا اللَّيْلُ أَسْدَلَ نَفْسَهُ
صَاحَ الْفُؤَادُ بِسَارَةَ الْمُتَخَضِّرِ
يَا سَارَةَ الْأَلْقِ الَّذِي أَسْرَى بِنَا
مِنْ عَالَمٍ فَوْقَ الْحُدُودِ الْمُسْتَخَرِ
قَدْ كَانَ طَيْفُكِ فِي دِمَائِي أَلْفَةً
تَحْيَا بِهَا أَشْوَاقُ قَلْبِي الْمُسْفِرِ
سَارَتْ رِيَاحُ الْعُمْرِ فِي أَرْوَاحِنَا
وَأَتَى الْمَصِيرُ كَسَاحِرٍ مُتَدَثِّرِ
لَكِنَّهَا سَارَةُ الْحَيَاةِ وَبَهْجَتِي
وَمَطَافُ حُلْمِي بِالسُّرَى وَالْمَحْشَرِ
إِنْ جِئْتُ أَكْتُبُ حُبَّهَا فَحُرُوفُهُ
تَتَفَتَّحُ الدُّنْيَا بِمِسْكِ الْمَسْكَرِ
فَاحْفَظْ إِلَهِي وَجْهَهَا وَجَمَالَهَا
وَأَطِلْ لَنَا فِي حُبِّهَا عُمْرَ الْأَزَهَرِ
حَتَّى أَكُونَ إِلَى أَبِدٍّ مُتَرَنِّمًا
بِسَرِيرَةٍ عَطْرَاءَ فَوْقَ الْمَحْبَرِ