تخطَّ إلى المحتوى

يا أبي كيف أعود

غير معروف

١٢٩ بيت

النسيب

يا أبي كيف أعود

يا أبي كيف أعودُ

جميلُ العودِ أم شبهُ محالْ

أصبحَ الصعلوكُ قرداً

له جاهٌ وسلطانٌ ومالْ

للحكمِ تصدى اليومَ

أشباهُ الرجالْ

في رقابِ الناسِ والدينِ

يا بغدادَ يا شجوَ الملايينْ

خلَتِ الغربانُ أنَّى

صارتِ اليومَ شواهينا

والناسُ في غفلةٍ مجدوا الفنا

واغتالوا هويةَ الإنسانِ

وأيادي الغدرِ تغتالُ الميامينا

واليأسُ أصبحَ نقشاً

فوقَ الأحجارِ في كلِّ الجباهْ

يأسٌ في كلِّ الميادينْ

خبِّري يا قريتي في العراقِ

فلي الحقُّ أن ترثيني

وتعولَ وتبكي على ألمٍ

لا قياسَ له في الموازينْ

لقد جفَّت عروقي أسىً

على ما بي من أوجاعٍ تأسِّيني

تراها في تجاعيدِ وجهي

في رعشةِ الكفِّ

وفي خالي الشرايينْ

الغريبُ محسودٌ

من لا يعرف كم منيةٍ

في دروبِ الهجرِ كادت توافيني

يبقى الغريبُ

في عيونِ الناسِ أقرؤها

في كلِّ منعطفٍ تلقيني

حتى على أبوابِ الدارِ

وعند العطارِ

في كلِّ الدروبِ المساكينْ

نحتُ الصخرَ

ثلاثينَ حجةً

وزادت سبعةً

كانها في الجوفِ سبعينْ

فيا شقوةَ من ينحتُ الصخرَ

ثم يعيدُ نحتهُ

سبعاً وسبعينْ

كيف أعودُ

وقد نسيتُ أيامَ الصبا

وكيف الدارُ

بعد اليومِ تأويني؟

أخافُ في بغدادَ

من حماقاتي

وأخافُ من

سهامِ الغدرِ ترميني

فكم كوكبٍ

غالته يدُ الغدرِ

وأضحى فقيداً

وتنعيه الدواوينْ

قبلي سراةُ القومِ قد ذُبحوا

في وضحِ النهارِ

كما تُذبحُ القرابينْ

بغدادُ

كيف الجفا

كيف الفراقُ

يا روضةً

بها تجولُ الحورُ والعينْ

والله لو مادتِ الأرضُ

أو مالَ السما

فلن تبطلَ

على بغدادَ

دمعي وتدويني

أين أهلي وأين حصونهم

وأين المضايفُ البيضُ

والشقراءُ

يا بنتَ الفناجينْ؟

هجرتُ قريتنا وجفَّ وادينا

وأين الجداولُ إذا ترقرقَ فيها

صافي الماءِ بين البساتينْ؟

يا باسقاتِ النخلِ

إني صريعُ الجوى

يا باسقاتٌ أجبيني

اشتقتُ إلى الذهبيِّ

من سنابلِ الحنطةِ

وأين شجيرةُ الزيتونِ والتينْ؟

هل جفَّت سواقي

بستانِ النخيلِ

ولن تُبصرَ على الشطآنِ

ورداً ونسرينا؟

لا شهدٌ في الغربةِ يغريني

ولا خمرُها

باتَ اليومَ يرويني

وأصحابي

كثيرون عهدتهم ولكنْ

كثيرٌ رحلوا

فهذا قتيلْ

وذا فقيدْ

وذاك في أرضِ الغيرِ مدفونْ

هل ما زال بيتُ الطينِ

في البستانِ مرتفعاً

فإني أكادُ أسمعُه يحييني؟

وماذا عن عرائشِ الكرومِ

قد نُبئتُ

أنها صارت في فقدِ الماءِ

أشباحاً تشرفُ لي

وتناديني

يؤلمني السؤالُ

خلاك الذمُّ

فإن رحيلَها

على مرِّ الأحزانِ يشجيني

جرحُكِ يا بغدادُ

حيٌّ في ضمائرنا

جرحٌ يؤرقني

بين الحينِ والحينْ

ويبقى جوى الغربةِ

لهيبٌ بين أضالعي

على الدوامِ يسعرُ ثمَّ يشجيني

فارجعي يا بغدادُ

يا ألْفَ هارونَ الرشيدِ

يا بغدادُ يا أمَّ الملايينْ

ارجعي يا بغدادُ فَتِيَّ

يا قبلةَ الكونِ

في كلِّ الميادينْ

بغدادُ يا ألفَ حسرةٍ في النفسِ

يا مأوى المساكينْ

غربتي

جرحٌ غائرٌ

على مرِّ الدهورْ

فمن بأوجاعِ الجرحِ

يدنو ليواسيني؟

كمن يموتُ

في كلِّ يومٍ ميتةً

وله في كلِّ يومٍ مأتمٌ

وله في كلِّ ليلٍ تأبينْ