يا قَصِيًّا عَنِ الحَشَا والفُؤَادِ
كيفَ تَقْوَى على النَّوَى والبِعَادِ؟
كيفَ تَنْأَى وكَعْبةُ الرُّوحِ تَغدُو
بَهْجةَ العَينِ.. مَقْصدَ العُبَّادِ؟
كيفَ تَنأى وزمزمٌ ثَمَّ شَهْدٌ
قَد مَضَى سَائغًا إلى الأكْبَادِ؟
إيهِ يا مَكَّتي وفي القَلبِ شَوْقٌ
لَم يَزل ْجَامحًا جُمُوحَ الجِيادِ
اُعْذُرِيني فما تَشَاغلتُ إلَّا
بالذي كانَ فيهِ مَعْنى الجِهادِ
بينَ رُوحِي وكعبةِ الحُسْنِ حَبلٌ
موثَقٌ ثَمَّ قد وَفَى بالمُرادِ
بينَ عَيْنِي وكُلِّ رسْمٍ عَتيقٍ
فيكِ وصْلٌ مُمَكَّنُ الأوتَادِ
بينَ عَقْلي ونفحةٍ منكِ جِسرٌ
قامَ فِينا مِن ساعةِ المِيلادِ
بينَ فِكْرِي وكُلِّ مَعنًى جليلٍ
فيكِ وُدٌّ فمَا لهُ مِن نَفَادِ
بينَ قَلْبي وكلِّ ذِكْرى تَجَلَّتْ
في مَغانِيكِ لَوعةُ المِيعَادِ
مَركزَ الكَونِ مَكَّتي.. كَم تَبدَّتْ
فيكِ حقًّا أسْمَى مَعاني القِيادِ!
مَكَّتي أنتِ.. يا جَلالٌ تَمطَّى
منذُ عَهْدِ الخَليلِ للأحْفادِ
أشرقَ النُّورُ في رِحابِكِ لمَّا
بُعِثَ المُصطَفى لكلِّ العِبادِ
في حِراءٍ تَنزَّلَ الذِّكْرُ ب”اقْرَأْ”
ومضَى هاديًا سَبيلَ الرَّشادِ
فَهَوَى الشِّرْكُ واسْتُبيحَتْ حِمَاهُ
وعَلَا الحَقُّ ذُرْوَةَ الاعْتِقادِ
منكِ نُورُ الهُدى تَغشَّى البَرايا
ومضَى رَكْبُهُ إلى كلِّ نَادِ
شَمسُكِ اليومَ لَم تَزلْ في عُلُوٍّ
مجدُكِ الفَخْرُ راسخٌ كالعِمادِ
يَقْصُرُ الدَّهرُ أو يطولُ سَتَبْقَيْ
نَ مَناطًا للفَخْرِ والأمجادِ
مَكَّتي أنتِ.. تُحْفةٌ قد تَدلَّتْ
مِن سَنا العَرشِ نُورُها في ازْدِيادِ
يَأْنسُ الأمنُ في حِمَاكِ.. وتَهْوِي
نَحوَكِ الناسُ بينَ باكٍ وشَادِ
مَكَّتِي أنتِ.. قِبْلةٌ.. لِحِمَاها
سَجعَ الطيرُ في الرُّبا والوِهادِ
نورُكِ الحَقُّ في الدُّنَى قد َتجلَّى
دافقًا بالهُدَى ليومِ المَعادِ