أَشْكُو إِلَى اللهِ أَشْوَاقاً أُكَاتِمُهَا
وَعَبْرَةً فِي حَنَايَا الرُّوحِ أُقْصِيهَا
مَا ذَاقَتِ العَيْنُ نَوْماً مُذْ نَأَتْ قُدُسٌ
وَالشَّوْقُ كَالنَّارِ فِي الأَحْشَاءِ يُذْكِيهَا
إِنِّي أَنَا الأُرْدُنِيُّ المُسْتَهَامُ بِهَا
نَفْسِي فِدَاءٌ لِأَرْضٍ عَزَّ غَالِيهَا
مَا زَالَ صَوْتُ الأَسَى يَصْبُو لِمَسْجِدِهَا
وَالرُّوحُ تَحْنُو إِلَى مَسْرَى نَبِيِّيهَا
أَبْكِي عَلَيْهَا وَتَبْكِينِي مَدَامِعُهَا
وَمُهْجَتِي فِي لَظَى الأَحْزَانِ تَصْلِيهَا
كَمْ بَاتَ جَفْنِي يَصُبُّ الدَّمْعَ مُنْهَمِراً
عَلَى رُبُوعٍ رَأَيْنَا المَجْدَ يَحْوِيهَا
أَرْنُو إِلَيْهَا بِقَلْبٍ بَاتَ مُنْفَطِراً
أَبْكِي الشَّبَابَ وَأَبْكِي مِنْ بَوَاكِيهَا
تَبْكِي المَنَابِرُ مِنْ حُزْنٍ وَمِنْ كَمَدٍ
وَزَيتُ زَيْتُونِهَا لِلْأَرْضِ يَرْوِيهَا
كَيْفَ السَّبِيلُ لِأَرْضٍ لَا أُفَارِقُهَا
تَحْيَا بِقَلْبِي وَبِالأَروَاحِ أَفْدِيهَا
مَا زَارَنِي طَيْفُهَا إِلَّا بَكَيْتُ أَسًى
وَنَارُ وَجْدِي أَنَا بِالدَّمْعِ أُطْفِيهَا
يَا أُمَّ كُلِّ طَهُورٍ فِي مَحَامِدِهَا
لَا هَانَ رَبْعُكِ يَوْماً مِنْ أَعَادِيهَا
قَدْ قَسَّمُوا جَسَداً بِالعِشْقِ مُتَّصِلاً
لَكِنَّ رُوحِي تَمُدُّ العَهْدَ تَحْمِيهَا
تَبْكِي المَدِينَةُ تَبْكِينِي بِلَوْعَتِهَا
فِي كُلِّ فَجٍّ أَرَى الدَّمَعَاتِ تَجْرِيهَا
يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ غَيْرِ مُنْقَطِعٍ
عَلَى البِلَادِ الَّتِي جَارَتْ لَيَالِيهَا
كَمْ فِيكِ يَا قُدْسُ مِنْ طُهْرٍ وَمِنْ شَرَفٍ
قَدْ بَارَكَ اللهُ قَاصِيهَا وَدَانِيهَا
أَنَا الغَرِيبُ وَلَكِنْ فِي هَوَاكِ فَتًى
يَرَى الشَّهَادَةَ نُوراً فِي رَوَابِيهَا
أَشْتَاقُ زَيْتُونَهَا الرَّاخِي ظِلَالَتَهُ
وَكُلَّ سَاحٍ لَهَا قَدْ كَانَ يُؤْوِيهَا
فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ لِلْحُزْنِ مَلْحَمَةٌ
تَرْوِي الحِكَايَةَ عَنْ بِيْضٍ مَرَاعِيهَا
أَبْكِي وَتَبْكِي مَعِي عَمَّانُ فِي كَمَدٍ
تِلْكَ الرِّبَاطَاتِ قَدْ عَزَّتْ بَوَانِيهَا
يَا قُدْسُ صَبْراً فَإِنَّ الفَجْرَ مُقْتَرِبٌ
وَرِحْلَةُ النَّصْرِ تَبْدُو فِي مَآتِيهَا
فَلْتَسْلَمِي يَا دِيَاراً عِشْتُ أَعْشَقُهَا
حَتَّى يَعُودَ لَنَا مَجْدٌ يُبَاهِيهَا
وَتِلْكَ غَزَّةُ كَالمَذْبُوحِ تَنْظُرُنَا
تَبْكِي بَنِيهَا وَنَارُ الثَّكْلِ تَصْلِيهَا
تَبْكِي الطُّفُولَةَ تَحْتَ الرَّدْمِ جَاثِمَةً
وَلَمْ تَجِدْ كَفَناً لِلْمَوْتِ يُخْفِيهَا
مَا جَفَّ دَمْعُ ثَكَالَانَا وَلَا هَدَأَتْ
نَارٌ بِقَلْبِ عَجُوزٍ مَاتَ غَالِيهَا
نَبْكِي المَسَاجِدَ قَدْ غَابَ الأَذَانُ بِهَا
وَعُطِّلَتْ جُمَعٌ شَاحَتْ مَصَالِيهَا
وَأُمَّةٌ تَنْظُرُ المَأْسَاةَ صَامِتَةً
كَأَنَّمَا المَوْتُ عَمْداً بَاتَ يُعْمِيهَا
تَبْكِي الشَّوَارِعُ وَالجُدْرَانُ مُثْخَنَةٌ
بِالذِّكْرَيَاتِ التِي ضَاعَتْ لَيَالِيهَا
كَيْفَ العَزَاءُ وَجُرْحُ الأُمَّهَاتِ دَمٌ
يَجْرِي نُهُوراً وَلَا شَيْءٌ يُدَاوِيهَا