عُصفورٌ في أقصى الكوخِ
جَناحاهُ بَقايا حُلُمٍ
والصّمتُ يَرِفُّ كجُرحٍ مَطموسٍ بالطّينْ
وزَوايا الكوخِ مَفازاتٌ مُعْتِمَةٌ
والسّورُ المُلْتَفُّ مَتاهاتٌ يَحْرُسُها التِّنِّينْ
قد أُلْقِيَ مِن رَحِمِ الأقدارِ بِحضنِ فَراغٍ
فالكوخُ له أرضٌ وسماءٌ ووجودٌ ومَصيرْ
لا يَعرفُ أنّ الكوخَ تُجاوِرُه أكواخٌ
والأكواخُ على ضِفَّةِ نَهْرٍ مِن حِمَمٍ
والنَّهْرُ طَويلٌ وكَبيرْ
والأسْوارُ تُجاوِرُها أسْوارٌ أطْوَلُ مِنها
وتَنانينُ تَمُجُّ النّارَ
سَعيرٌ يَتلوهُ سَعيرْ
يتجوَّلُ في أُفْقِ الكوخِ
يَكِدُّ
وبِكَفَّيْهِ فُتاتٌ أو بَعْضُ بُذورْ
فيَنام هنيئًا
ويُغَنّي
ويُرَدِّدُ أُفقُ الكوخِ اللَّحْنَ
وفي القاعِ الأفعى تَنْتَظِرُ المَقدورْ
كالجَمْرَةِ تبدو عيناها
والشَّوْكُ يُجَهِّزُ قَبْضَتَهُ
كجُنودٍ آلِيِّينَ بلا قَلْبٍ
واللّيْلُ يُضيءُ ذُبالَتَهُ
كي يُكْمِلَ رَسْمَ المَشْهَدِ بالجَسَدِ المَنذورْ
مازالَ يُرَقْرِقُ ألْحانَ الحُبِّ
على السَّفْحِ
بكُلِّ صَباحٍ
ويُغازِلُ آخِرَ بُستانٍ من نورْ
ما أهونَ أحلامَ العُصفورْ
ارحلْ
فنَشيدُكَ لن يحميَ أحلامَكْ
والعُشُّ بِسَقْفِ الكوخِ تُطارِدُه الأشباحُ
غدا يهوي قُدّامَكْ
واللَّعْنَةُ توشِكُ أن تَفْتَرِسَ صَداكَ وتَبْذُرَ أيّامَكْ
لن تُصْغيَ أنيابُ الجوعِ لألحانِكْ؟
فارحلْ
فالحُبُّ الكاذِبُ خُدْعَتُهم
والثَّرْوَةُ خَمْرُ الضُّعَفاءِ
ودائرةُ التَّحْليقِ جِدارٌ يَمْنَعُ عنكَ مَنافِذَ أحلامِكْ
أوهامُ الشَّمْلِ سَرابٌ
والرَّمْلُ يَغُرُّكَ يَسْتنزِفُ خُطْواتِكْ
وسلامُكَ هذا تَصْنَعُه كي تعلوَ أبراجُ السُّفهاءِ سماءَكْ
كي يَمْحوا أفلاكَكْ
كي يحْتَلّوا أُفْقَكَ
ويُجَفِّفُ خُبْثُهُم المَستورُ سَحابَكْ
لا تبحثْ عن حُلُمٍ آخرَ تَرْتُقُه بخُيوطِ الأمَلِ التّائِهِ والصُّبْحِ المَحظورْ
فربيعُك يأتي بعدَ خريفٍ ممتَدٍّ كدُهورْ
طارَ بعيدًا
كالضَّوءِ الهارِبِ من شِقِّ مُهْتَرِئٍ بالسّورْ
فسَماءُ الحُرِّيَّةِ بابُ خُلودٍ أوسَعُ من حُلمٍ مَهدورْ
والغُرْبَةُ أن تَبقى تَنْزِفُ لِتُجَمِّلَ كوخًا مَخْطوفًا في الأرْضِ الزّورْ
فالأرضُ بَساتينُ ضِياءٍ شَتّى فيها وقُبورْ
طارَ بعيدًا
والكوخُ يُناديهِ
فلم يَنْظُرْ للخَلْفِ
ولم يَتَلَفَّتْ قَلْبٌ كم أشْرَقَ بالحُبِّ
وحَطَّمَ صَنَمَ الكُرْهِ
وأدْرَكَ مَعْنى التّغْييرْ
طارَ بعيدًا وحُشاشاتُ الرّيحِ
تَلُفُّ صَداهُ
وفي الكوخِ بقايا عصفورْ