يا ابنَ القيودِ، وقد سَمَوْتَ نبيلا
كالطَّيرِ أنتَ، وإن أُسِرْتَ طويلا
نفسُ الأبيِّ على الحَقيرِ مَهابَةٌ
والحُرُّ يُرْهِبُ أنفسًا وعقولا
لا ينتهي نسلُ الكرامةِ والرِّجالِ
كأنَّهُمْ قد نُزِّلوا تنزيلا
أَنْعِمْ بِشُبَّانِ الإباءِ ، فإنَّهُمْ
يتسابقونَ إلى الجِنانِ عُدولا
يا ابنَ المعارِكِ، لا يخافُ لقاءَها
أبدًا، ولا يَرِدُ الحتوفَ ذليلا
يُرمى بغاراتِ القنابلِ صامِدًا
مثلَ الشَّعائرِ بُكْرَةً وأصيلا
يا إبنَ غزَّةَ، والقذائفُ أصبحَتْ
مطرًا ، وكنتَ على الرِّفاقِ ظَلِيْلا
يتساقطُ الشُّهداءُ حولَكَ، ترتقي
أرواحُ من قصدوا الجِنانَ بديلا
كالقدسِ أنتَ، “كما المآذنِ شامخًا”
كالحَقِّ كان على الثَّباتِ دليلا
فَعِنِ الشِّمالِ مقاوِمٌ، أمَّا اليمينُ
غَدَتْ تُعَظِّمُ بأسَكَ المَسْلولا
تُقصي عَدوَّكَ من ثراكَ مُكَبِّرًا
ويفِرُّ من هَلَعِ اللِّقا مَذْهولا!
تُخشى وفي يَدِكَ الحجارَةُ أَعْزَلًا!
للهِ أنتَ! فكم أَهَنْتَ ضَئيلا
هذي فلسطينُ العروبةِ كُبِّلَتْ
لكنَّ فيها جامِحًا وأصيلا
"قف للكرامةِ وَفِّها التَّبجيلا"
واَسْتَوحِ مِنْها هِمَّةً وصَليلا
أُمُّ الشَّهيدِ ببسمةٍ فُجِعَتْ، فما
شهقَتْ، وقد رأَتِ المُصابَ جميلا
سقطَتْ على طرفِ الحِجابِ دموعَها
فرحًا ، وأسمَعَتِ الدُّنا تَهْليلا
ودَمُ الشُّيوخِ على الصَّعيدِ،
ودمعةُ الأيتامِ تطلبُ ثأرَها المأمولا
وتبسُّمُ الأسرى ، وعبرةُ طفلةٍ
رَأَتِ السَّلامَ على الأنامِ وبيلا
في القُدسِ لا تَجِدُ الورى في مَأمَنٍ
أبدًا ، ولا يَجِدُ الأمانُ سبيلا
في القُدسِ تَرْتَعِدُ السَّما للمسجدِ
الأقصى، ويضطَرِبُ الصَّعيدُ ذُهولا
في القُدسِ تحتدمُ الصُّفوفُ كأنَّها
غضبُ الزَّمانِ إذا استفاقَ ثقيلا
كم أعزلٍ عَرَكَ المنايا حيثُما
خَطَفَ الحِمامُ مُنازِلًا وبَسولا
في ليلةِ القدْرِ انتفاضَةُ أُمَّةٍ
تكبيرُها بلغَ السَّماءَ صهيلا
دَفَعَتْ عدوَّ اللهِ دونَ قذائفٍ
ومضَتْ تُجَدِّدُ بالشَّجاعَةَ جيلا
قد شَرَّدَ اللهُ اليهودَ، فما لهم
أرضٌ، وقبَّحَ نَسْلَهُمْ مجهولا
قيءُ الطَّبيعةِ هُمْ، وما من عاقِلٍ
إلَّا اَشْمَأَزَّ ، وثَلَّبَ المَرْذُولا
للهِ مُحْتَلٌّ تَبَدَّد حُلْمُهُ
فغدا يُكَفِّنُ بَعْضَهُ المَقْتولا
وغدا يُقاتِلُ دونَ موطِنِ عِزَّةٍ
جعلَ النُّفوسَ بِسَاكِنِيهِ حُقولا
جُرْحُ القداسَةِ لم يزَلْ يُدْمى، ويُحْرَقُ
من يهودٍ نكَّلوا تنكيلا
والمسجدُ الأقصى الأعزُّ ، وإن طغى
فيهِ الصَّهايِنَةُ القرودُ طويلا
في ذِمَّةَ الرَّحمنِ مسرى عبدِهِ
فالحَقُّ نورٌ لا يكونُ أُفُوْلَا